آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-08:39ص

2 أغسطس.. يوم ضياع العرب

الأحد - 02 أغسطس 2026 - الساعة 04:43 م
عمر الحار


ستةٌ وثلاثون عامًا مرّت على عجل، اراد النسيان أن يطوي صفحتها، متجاوزا وجه الحق في طيها؛ ذكرى لم تزل جراحها الغائرة ممتدةً في الأرض والتاريخ والإنسان.

لم تسقط الكويت في 2 أغسطس 199، وحدها تحت وطأة الغزو؛ لم يكن سقوطًا مدويًا لشيءٍ أكبر من حدود وطنٍ صغيرٍ عزيز، كان سقوطًا للوجدان العربي المفقود، انكشافًا مؤلمًا لعورةٍ ظلت العروبة تحاول سترها طويلًا.

وقف العرب امام جراح الكويت، بعد سقوط مرؤتهم في قعر الجب الدولي من المحيط إلى الخليج.  لم تبحث الكويت عن من ينقذها، كانت تبحث عن بقيةٍ من ضميرٍ عربي لم يسقط بعد، لم يمت بعد.

نهضت الكويت من تحت الركام، وضاع العرب، تفتحت الكويت زنبقة بعد شتاءٍ قاسٍ، عباد شمس لا تعشق ظلمات العرب ولا ظلمهم، تبحث عن ضوء في قعر الجب يستطلون بنوره حتى الخروج. استعادت الكويت حياتها، بنت ما تهدّم، ضمدت الجراح، لتغني موال على الشط لمستقبلها، و تقول للعالم: إن الأوطان العظيمة لا تنكسر، وإن الجراح مهما تعمقت لا تستطيع قتل الحياة.

عثرت الكويت بحكمتها على نفسها، لتعلن مواصلة بحثها عن العروبة الفاقدة للعناوين في حياة العصر. سدت الكويت الثقب النازف بايمانها بالعرب، ادامنها على عشقهم، صبرها على العرب. وانشدتهم قصيدة من عيون الادب. بعد انقشاع ماتبقى من غليون زعيمهم ابو لهب، لم تجعل من نكبتها سيفًا على الرقاب، لم تحول ذاكرتها إلى منصةٍ للانتقام، بل اختارت الصفح حين امتلكت القدرة، وفتحت أبوابها للعرب من جديد، حين كان بإمكانها أن تغلقها الى الابد، وكأنها أرادت أن تمنح الأمة درسًا قاسيًا في معنى أن تكون عربيًا حين يختبرك التاريخ.

يا كويت...

في ذكرى يومك الأسود، لا نكتب عن احتلالٍ مضى فحسب، ولا عن جيشٍ عبر الحدود فحسب؛ نكتب عن انكسارٍ عربي، نكتب عن ضياع عربي، ما زال صداه يتردد في ذاكرة الأمة.

نكتب عن يومٍ سقطت فيه أقنعة كثيرة، وعرفت فيه الكويت من يقف معها، ومن يقف بعيدًا، ومن يكتفي بمشاهدة الجرح وهو ينزف.

ومع ذلك، اختارت الكويت أن تكون أكبر من جرحها.

طوت الكويت ذكرى نكبتها بالنسيان...

وطوى العرب الذكرى بالخذلان.

لكن التاريخ لا ينسى.

ولا تنسى الأرض.

ولا تنسى القلوب.

وفي كل 2 أغسطس، ستبقى الكويت تذكّرنا، بصمتها الجميل، أن التسامح لا يعني أن الجرح لم يكن عميقًا، وأن الصفح لا يعني أن الخذلان لم يكن موجعًا، وأن الأوطان قد تنهض من الرماد، لكن الأمم التي لا تتعلم من انكساراتها قد تعود يومًا لتبحث عن نفسها بين الركام.

إلى الكويت التي نحبها...

في ذكرى يوم الضياع العربي الكبير:

سلامٌ على أرضٍ نهضت،

وسلامٌ على شعبٍ لم يجعل قلبه ساحة للانكسار،

وسلامٌ على وطنٍ اختار أن يبقى عربيًا، حين خذلته العروبة.