في التعامل مع الآخرين الذين نختلف معهم، كثيراً ما نقع في فخّ التقييم المطلق و نتخذ مواقف قد تضر بالطرفين و تنشر الكراهية و الحقد و تجعلنا نعيش في مجتمعات متناحرة بدون سلام ينفع الجميع ...
ولا أجد مثلاً أدقّ ينطبق على هذا السلوك الإنساني أكثر من التجربة التي تعلّمتها شخصيّاً من أطروحات الدكتور ضياء العوضي، رحمه الله و غفر له.
لقد عُرف الرجل بمواقف وآراء أثارت جدلاً واسعاً، وعارضت ما استقرّ عليه جموع الأطباء. وكان لي موقفٌ خاصّ من آرائه حين شاهدت له مقطع فيديو على منصّة يوتيوب يتحدّث فيه عن التدخين بجرأة غريبة، قائلاً إنّ التدخين لا يضرّ، وداعياً إلى التدخين بحريّة دون خوف من مرض!
بل إنّه، رحمة الله عليه و غفر له ذنوبه، وهو الذي كان يستشهد كثيراً بالقرآن ونحن نحسن الظنّ به، تمادى في القول إنّ الذي لا يدخّن ليس رجلاً!
أمام هذا الطرح الغريب، اتّخذت قراراً حاسماً بيني وبين نفسي بأنّ كلّ ما يصدر عن هذا الرجل هو مجرّد هراء ودجل وعمليّة إستعراض وتطاول وخلل نفسي وما شابه.
فأغلقت باب الإستماع إليه تماماً، وأسقطت كلّ ما يقوله جملةً وتفصيلاً.
لكنّ الأحداث أثبتت لي أن الأحكام المطلقة تعمي البصيرة وتغلق باباً مهماً جداً للجمع بين الناس و إذابت أفكارهم المختلفة في بوتقة تجمع نقاط الإلتقاء التي تفيد الجميع دون إستثناء.
البارحة فقط، استمعت له بالصدفة رأيت الوجه الاخر في الدكتور العوضي..
كان يطرح كلاماً في غاية الروعة والمنطقية حول النشرات الطبّية المرفقة مع الأدوية، حيث تساءل باستنكار عن السبب الذي يجعل الشركات تكتب تلك الروشتة بأحرف دقيقة جدّاً لا يمكن قراءتها حتى لو استخدمت ميكروسكوب و هي تشرح موانع و اضرار جانبية والتي مفروض تكون أكثر وضوحاً، أوعز السبب حتى يعرض المستخدم لذلك العلاج تكبد المشقة في الوقوف عندها و بالتالي تجاهل كل تلك التحذيرات..
و مع لك سأل د. العوضي كيف لدواءٍ مخصّص لمعالجة مرض معيّن أن يحتوي على عشرات من موانع للاستعمال، ومثلها من الأعراض الجانبيّة والتحذيرات، فكيف يكون الدواء نافعاً لمرض بينما يحذّرك منه أنه قد يتسبب في كلّ هذه الأمراض الأخرى..
قال لماذا نركز على المرض الذي نريد الإستشفاء منه و لا نفكر بتلك الأمراض الأخرى مثل هشاشة العظام و امراض القلب و المعدة و التحسسات وغيرها..
ثمّ قدّم رؤية عميقة مفادها أنّ جسم الإنسان يحتوي على الداء والدواء في آنٍ واحد، وكلّ ما تحتاجه الطبيعة البشرية هو منح الجسم الفرصة والوقت ليقوم بدوره الدفاعي الذاتي. واستشهد في هذا السياق بعالم الحيوان، مستدلاً بالقردة التي لا تعرف الأدوية ولا العلاجات وتعتمد على القليل من أنواع الأطعمة الموز الطاغي عليها كما فطرها الله وتعيش في صحة مرنة تتقفز حتى يحين أجلها.
كما انتقد عمليات تكميم المعدة وذلك هو رأيه رغم مافيه من نقاط يجب التوقف عنهدها
موضّحاً أنّ المعدة ليست مجرّد كيس قماشي ننقص منه متى أردنا، بل هي عضوٌ معقّد واعتداءٌ على خلق الله، إذ تحتوي على خلايا متخصّصة تفرز كمّيات هائلة من الأنزيمات والمهضّمات والأحماض والمحلّلات. فكيف نتدخّل بجهل في هذه الهندسة الإلهية الدقيقة!
هذا التناقض الذي حصل لي من معارض بشدة إلى كل ما يقوله الدكتور ضياء إلى تقبل بعض أفكاره المقنعة فتح أمامي باب التفكير في طبيعة الخلافات التي نعيشها نحن الشعوب إلى درجة الغل في مجالات كثيرة لا نستطيع تحمل بعضنا نحرص ضد بعضنا بل و يتجور الأمر إلى أن يتربص كلا منا بالأخر إلى درجة القتل..
تذكّرت نقاشاً حادّاً دار بيني وبين أحد أعزّ الناس إلى قلبي، وهو رجلٌ على قدر كبير من الثقافة والوعي، لكنّه كان مؤمناً بكلّ ما يقوله الدكتور ضياء العوضي،
في حين كنت أنا كافراً بجميع آرائه...
استعر الخلاف بيننا واشتدّ. وكنت أتساءل في نفسي باستغراب، كيف لإنسان متعلّم ومثقّف مثله أن يقع فريسة لطروحات العواضي،
بينما كان هو في المقابل يتأمّلني بذات الاستغراب ويتساءل، كيف لعقل مثلي ألّا يرى الصواب وراء تلك الأفكار!
والحقيقة الواضحة التي نغمض دونها أعيننا و تأكدت لي مراراً وتكراراً،
هي أنّ القضيّة برمّتها تمثّلت في أنني رفضت كلّ ما يقوله الرجل، حقّاً وباطلاً، بسبب انطباع و موقف سابق، بينما تقبل صاحبي كلّ ما يقوله الرجل، حقّاً وباطلاً، بسبب الانبهار به!
لقد تحاملت أنا على كلّ طروحاته ولم أقبل حتى الصحيح المنطقي منها، وقبل هو كلّ كلامه حتى الشاطح والباطل منه.
ولو أنّنا تجرّدنا من الأحكام المسبقة وفكّرنا بموضوعية، لأمكننا أن نتّفق معاً على الرأي الصحيح ونرفض معاً الرأي الخاطئ دون تعصّب...
إنّ هذا الدرس لا يقف عند حدود تقييم الأشخاص أو الآراء الطبّية، بل يمتدّ ليشكّل منهاجاً أساسيّاً يجب أن نتعامل به في تفاصيل حياتنا اليومية والسياسية والاجتماعية.
إنّنا نرتكب الجرم نفسه عندما نكره حزباً أو فصيلاً أو حتى جماعة منتمية إلى منطقة معيّنة، فنذهب بغرور وعصبية لمعاداة ذلك الفصيل او الحزب أو تلك المنطقة و ابنائهابأكملها...
متناسين أنّ الحكمة تتطلّب التمييز وعدم التعميم...
لماذا لا نتعامل مع الأشياء الحلوة والطيّبة في الآخرين، ونبحث بعناية عن نقاط التلاقي والاشتراك، ونترك جانباً نقاط الخلاف التي باتت هي القاعدة التي تطغى على كلّ شيء في واقعنا!
إنّ هذه الروح الإقصائية والاعتراض الشامل أو التعصب الشامل،
هي السبب الرئيس في اشتعال الفتن وانتشار الكراهية والعنصرية المقيتة، وهي ذاتها التي جعلت أحوالنا تتدهور وتصل إلى هذا القدر من الشدّة والمعاناة....
نبيل محمد العمودي