آخر تحديث :الخميس-20 أغسطس 2026-03:20م

ثقافة التطبيل... حين يصبح التصفيق خيانةً للحقيقة

الخميس - 30 يوليو 2026 - الساعة 10:25 ص
صلاح البندق


ليست كل الثقافات جديرة بالاحترام، فهناك ثقافات تُشيِّد الأوطان، وأخرى تهدمها بصمت. ومن أخطر ما ابتُليت به مجتمعاتنا أن التطبيل لم يعد سلوكاً فردياً، بل تحول إلى ثقافةٍ يتوارثها البعض، وإلى وسيلةٍ للارتزاق، وسُلَّمٍ يتسلق عليه أصحاب المصالح، حتى صار المنافق أرفع صوتاً من صاحب الكفاءة، والمصفق أقرب إلى المسؤول من صاحب الرأي الصادق.


إن التطبيل لا يصنع قائداً ناجحاً، وإنما يصنع قائداً يعيش في عزلةٍ عن الواقع، تحيط به جوقةٌ لا ترى إلا ما يرضيه، ولا تقول إلا ما يريد سماعه. وهكذا تُزيَّف الحقائق، وتُخفى الإخفاقات، ويُقدَّم الفشل في ثوب الإنجاز، حتى إذا وقعت الكارثة، اختفى المصفقون، وتركوا من كانوا يمتدحونه يواجه نتائج الأوهام التي صنعوها له.


ولذلك لم يكن الإسلام غافلاً عن هذا الداء؛ فقد قال النبي ﷺ: «احثوا في وجوه المدَّاحين التراب»، تحذيراً من المدح المتكلف الذي يفسد النفوس، ويغذي الغرور، ويطمس الحقائق. فالثناء الصادق شيء، أما التطبيل الذي يُباع ويُشترى فهو لون من ألوان الخداع، وثمنه تدفعه الأوطان قبل الأشخاص.


ولنا في الواقع عبرة لا تحتاج

إلى كثير شرح؛ فكم من مؤسسةٍ انهارت، لا لأن الكفاءات غابت، بل لأن أهل النفاق حاصروا أصحاب الرأي، وأغرقوا المسؤولين بالمديح حتى صدقوا أنهم معصومون من الخطأ. وحين تكشفت الحقائق، لم تنفعهم قصائد الثناء، ولم تُنقذهم أصوات التصفيق، لأن الحقيقة لا تُهزم بالهتاف.


إن الأمم لا تنهض بالمنافقين، بل بالنقاد الأمناء. ولا تُبنى بالوجوه التي تُصفق لكل قرار، وإنما بالعقول التي تملك شجاعة قول الحق، ولو خالف الهوى. فالتطبيل ليس ولاءً، بل تضليل، وليس وطنيةً، بل تجارةٌ تُربح اليوم وتُفلس غداً.


إن الوطن بحاجة إلى رجالٍ يواجهون الخطأ بالحقيقة، لا إلى أبواقٍ تُلمِّع الفشل وتُزين العجز. فالكلمة الصادقة قد تُغضب مسؤولاً، لكنها قد تُنقذ وطناً، أما التطبيل فقد يُرضي مسؤولاً ساعةً، لكنه قد يُسقط وطناً بأكمله.