آخر تحديث :الأربعاء-23 سبتمبر 2026-02:49ص

من برنامج (الابتعاث الخارجي) إلى برنامج (لمّ الشمل العائلي الدولي)

الأربعاء - 29 يوليو 2026 - الساعة 03:25 م
ياسر علي


كانت المنح الدراسية، وما تزال، واحدة من أهم أدوات بناء الدول وصناعة المستقبل؛ فهي ليست تذكرة سفر، ولا مكافأة اجتماعية، ولا امتيازاً عائلياً، بل استثمار طويل الأمد في عقول يفترض أن تعود لتبني الجامعات والمستشفيات والمختبرات والمؤسسات؛ ولهذا، فإن كل منحة تُمنح في مكانها الصحيح هي مشروع وطن، وكل منحة تُهدر أو تُمنح بغير استحقاق هي فرصة ضائعة من عمر بلد أنهكته الأزمات ويبحث عن نافذة للأمل.

لكن يبدو أن بعض المنح في اليمن قررت أن تهاجر هي الأخرى من مفهوم (الاستحقاق) إلى مفهوم (الاستحقاق العائلي) ؛ فالتقرير(إن كان صحيحاً) الذي كُشِف مؤخراً حول المنح الحكومية فتح نافذة واسعة على مشهد يثير الدهشة أكثر مما يثير الاستغراب؛ إذ إن الدهشة تنتهي عندما تدرك أن الاستغراب لم يعد يجد ما يستغربه.


فإذا كانت المنحة في فلسفتها مكافأة للتفوق، فإنها ــ وفق ما أظهره التقرير ــ تحولت عند البعض إلى إرث عائلي ينتقل بين الإخوة والأقارب كما تنتقل مفاتيح المنزل؛ حتى ليخيل للمرء أن بعض الأسر لم تعد بحاجة إلى سجل مدني، بل إلى (ملحقية ثقافية) خاصة بها تتولى متابعة أفرادها في جامعات العالم.

والمفارقة التي لا تحتاج إلى تعليق طويل، أن بعض تلك المنح ذهبت إلى تخصصات تدرسها الجامعات اليمنية منذ سنوات، وبمقاعد شاغرة أحياناً؛ وكأن الرسالة الضمنية تقول إن دراسة التخصص نفسه في الخارج تمنحه لقباً أكثر بريقاً، حتى لو كان الطالب يستطيع أن يدرسه على بعد بضعة كيلومترات من منزله؛ إنها رحلة أكاديمية طويلة لا لاكتساب معرفة جديدة، بل ربما لاكتساب ختم جديد على جواز السفر.


ومن هذه المفارقة نصل إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كانت المنح تُصرف لتخصصات متوفرة محلياً، فمن الذي حُرم من فرصة دراسة تخصص نادر كان الوطن بأمس الحاجة إليه؟ فالمنحة ليست بنداً للوجاهة الاجتماعية، وإنما وسيلة لسد فجوات علمية لا تستطيع الجامعات المحلية تغطيتها؛ أما حين تصبح الأولوية للأسماء لا للاحتياجات، فإن الخاسر الأول ليس طالباً متفوقاً، بل وطن بأكمله.


ومنذ سنوات خلت، لم تكن ملفات المنح بعيدة عن الجدل العام، فقد أثيرت في أكثر من مناسبة تساؤلات حول آليات الترشيح، وشفافية المفاضلة، وأحقية بعض الأسماء، وتكررت المطالبات بنشر الكشوفات والمعايير للرأي العام؛ وبين كل موجة وأخرى، كانت الوعود بالإصلاح تتقدم الصفوف، بينما كانت الأسئلة تعود من الباب الخلفي وكأن شيئاً لم يتغير.


وهنا يظهر ذلك الكائن الإداري الغامض الذي يعرفه الجميع ولا يراه أحد؛ (لوبي الفساد)؛ لا بطاقة تعريف له، ولا مكتباً يحمل اسمه، لكنه ــ كما يصفه كثيرون ــ يبدو قادراً على جعل القوائم تتبدل، والأولويات تتغير، والأبواب تفتح لأشخاص وتغلق أمام آخرين؛ إنه أشبه بشبح إداري لا يظهر في الصور التذكارية، لكنه يترك بصماته على النتائج.


وفي وزارة بحجم وزارة التعليم العالي، يفترض أن تكون العدالة هي اللغة الرسمية، وأن يكون معيار الكفاءة أعلى من أي اعتبار آخر؛ ولذلك فإن أي تقصير في الرقابة أو ضعف في الحوكمة أو غياب للشفافية يفتح الباب أمام الشكوك، ويضع على عاتق القيادات الإدارية مسؤولية استعادة ثقة المواطنين من خلال مراجعات جادة وإجراءات معلنة، لا بمجرد البيانات الإنشائية التي تنتهي صلاحيتها قبل أن يجف حبرها.


ولعل أكثر ما يؤلم في هذه القضية أن آلاف الطلاب الذين اجتهدوا سنوات من أجل فرصة عادلة، يجدون أنفسهم أمام معادلة مختلفة: المعدل وحده لا يكفي، والطموح وحده لا يكفي، وربما يحتاج الطالب أيضاً إلى (تخصص إضافي) في معرفة دهاليز القوائم قبل أن يتقن تخصصه الأكاديمي.


ويبقى الأمل معقوداً على أن تتحول هذه القضية إلى نقطة مراجعة حقيقية، تبدأ بنشر معايير واضحة، وإعلان جميع بيانات المنح بشفافية، وإخضاعها لرقابة مستقلة، حتى تعود المنحة إلى معناها الأصلي: استثمار في الكفاءة، لا في العلاقات.


أما الخاتمة، فهي لا تحتاج إلى كثير من البلاغة؛ فإذا استمرت المنح تُوزع بالطريقة التي أثارتها التقارير والجدل، فقد يكون من الأنسب أن تغيّر اسمها من (برنامج الابتعاث الخارجي) إلى (برنامج لمّ الشمل العائلي الدولي)؛ وحينها لن يكون السؤال: كم طالباً ابتعثت الوزارة؟ بل: كم عائلة أكملت نصابها في الخارج؟ وعندها فقط، سنكتشف أن أخطر تخصص تم تصديره ليس الطب ولا الهندسة، بل (هندسة النفوذ)، ذلك التخصص الذي، ويا للمصادفة، لا يزال غير متوفر في أي جامعة يمنية.