منذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيها وزارة الدفاع السعودية عن استهداف منشآتها النفطية في المنطقة الشرقية والرياض بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية، ثم جاء إعلان ميليشيا الحوثي تبنّيها لهذا الهجوم موجهة إياه ضد “نقاط إمداد النفط الخام من شرق السعودية إلى ينبع”، سقطت آخر الأوراق التي كانت تحاول التستر بها هذه الميليشيا خلف شعار “المقاومة” أو “الدفاع عن اليمن”.
فما جرى لم يكن سوى مشهد جديد يفضح حقيقة باتت لا تحتمل التأويل: أن جماعة الحوثي ليست فصيلاً يمنياً يقاتل من أجل قضية وطنية، بل ذراع عسكري منضبط بالكامل لأجندة إيران الإقليمية، ينفذ من الأراضي العراقية ما تريده طهران، ويوقّع باسم اليمن على جرائم لا ناقة لليمنيين فيها ولا جمل.
إن الخطورة الحقيقية في هذا الحادث لا تكمن فقط في استهداف منشآت حيوية لدولة شقيقة كالمملكة العربية السعودية، بل في ما يكشفه من عمق التشابك التشغيلي بين الحوثي والمنظومة الإيرانية في العراق. فالتقارير الأممية توثق أن قيادات حوثية نظمت زيارات إلى بغداد، ونسّقت مع عشائر عراقية قريبة من الحدود السعودية، وأشرفت على شراء مواد وتدريب مقاتلين بالتعاون مع مجموعات مسلحة موالية لإيران.
هذا ليس تبنياً عابراً لهجوم وقع خارج الحدود، بل هو دليل دامغ على أن الحوثي تحوّل إلى امتداد ميداني للحرس الثوري الإيراني، يُدار من طهران وبغداد كما يُدار من صنعاء، بلا أي اعتبار لسيادة اليمن أو لمصالح شعبه.
والسؤال الذي يفرض نفسه على كل يمني غيور: ما علاقة أبناء صنعاء وتعز والحديدة بمنشآت النفط السعودية في الشرقية؟ وما الذي يجنيه اليمني الجائع، المحروم من الكهرباء والدواء والراتب، من مغامرة عسكرية تُشعل فتيل التصعيد مع أكبر شريك اقتصادي وأمني لليمن في المنطقة؟
الجواب بسيط وموجع في آن: لا شيء البتة. فكل صاروخ يُطلق باسم “الحوثي” إنما يخدم حساباً إيرانياً بحتاً، يهدف إلى استنزاف السعودية وتشتيت جهودها، فيما يدفع اليمني وحده الثمن حصاراً واقتصاداً منهاراً وحرباً لا تنتهي.
إن هذا التخادم الصريح بين ميليشيا إيران في العراق وميليشيا الحوثي في اليمن يعيد التأكيد على حقيقة جوهرية طالما رددتها القوى الوطنية اليمنية: أن الحوثي لم يكن يوماً طرفاً في معادلة داخلية يمنية-يمنية، بل هو أداة تنفيذية ضمن مشروع إقليمي أشمل، تتقاطع فيه أذرع طهران من بغداد إلى صنعاء إلى بيروت، وجميعها تخضع لغرفة قيادة واحدة لا تعنيها مصلحة اليمن ولا وحدته ولا استقراره، بل توظفه وقوداً في صراعها مع الخصوم الإقليميين والدوليين.
من هنا، فإن الموقف اليمني الرسمي والشعبي يجب أن يكون حاسماً وواضحاً في إدانة هذا العدوان الغادر على المملكة العربية السعودية، وفي التأكيد على أن الشرعية اليمنية والقوى السياسية الوطنية لا تمثلها هذه الميليشيا ولا تتحمل مسؤولية جرائمها، بل هي أول ضحاياها. فالحوثي الذي يقصف السعودية اليوم بأدوات إيرانية عراقية، هو ذاته الذي يقصف تعز ومأرب والحديدة بالأمس، وهو ذاته الذي يحاصر اليمنيين ويجوّعهم ويجندهم أطفالاً في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. إنه، بكل بساطة، جندي مأجور بلباس يمني، ودمه ودم ضحاياه اليمنيين هو الثمن الذي يُدفع يومياً لتمويل حلم طهران بالهيمنة الإقليمية.