أيها الأحرار والحرائر في جنوبنا الحبيب،
إن التاريخ في تحولاته الكبرى لا يحابي الغافلين، والسياسة في جوهرها لا تعرف الخلود للعداوات ولا للصداقات، بل تحكمها معادلة واحدة لا تتغير: المصالح وحسن إدارة القوة.
لقد حباكم الله بمعدن يفيض بالصدق، وشهامة تجسد الشجاعة، وعقيدة راسخة تجمع ولا تفرق. نحن أبناء وطن واحد، معجون بدماء الشرفاء وصبر الأوفياء، لكن القوة لا تكتمل إلا بالوعي، والوعي يبدأ من قراءة المشهد بعيون بصيرة.
تأملوا ما يدور حولكم، واستوعبوا الدرس.
انظروا إلى القوى في الشمال؛ يختلفون في الفكر والأيديولوجيا والأهداف، وتشتعل بينهم الحروب والمكائد، لكنهم يستحضرون بوصلتهم الواحدة، ويتفقون دون تردد عندما يتعلق الأمر بحقوق الجنوب ومستقبله. وفي الإقليم والعالم من حولنا، تتصارع الدول ثم تتطامن وتقترب عندما تدعوها مصالحها الحيوية.
فأين نحن من هذه الحقيقة؟
إن الأخ الجنوبي، مهما اختلف معك في الرأي أو الزاوية التي يرى منها المشهد، هو سندك الأول والوحيد، وجدارك الأخير الذي إن انهار، لن يسلم أحد من الغرق.
أيها الأحرار…
ارتفعوا بعقولكم ونفوسكم إلى مستوى قضيتكم الوطنية، واكبروا بحجم التضحيات الجسام التي قدمها شهداؤنا الأبرار. اتركوا الهوامش وصغائر الخلافات التي تنهك الجسد الواحد، وتستنزف الطاقات، فتؤخر المسيرة، وتمنح أعداءكم مجانًا ما عجزوا عن أخذه بالحرب.
تذكروا دائمًا أن الكلمة أمانة وموقف، وأن الاختلاف في الرأي مظهر عافية ورشد، شريطة ألا يتحول إلى خصومة تقطع الأرحام الوطنية، فالقضية أكبر من الأفراد، والوطن أعظم من المكونات والأشخاص.
لتكن مصالحتنا الوطنية، وتآلف قلوبنا، ورص صفوفنا، هي الرد الأبلغ، والضمانة الوحيدة لمستقبل يليق بكرامة هذا الشعب وتضحياته.