لم يكن التقرير الصادر عن لجنة مراجعة قوائم المبتعثين للدراسة في الخارج مجرد وثيقة إدارية تُضاف إلى أرشيف المراجعات الروتينية بل جاء بمثابة فضيحة مدوية تُكشر عن انياب الفساد الذي نخر جسد مؤسسات الشرعية ويكشف كيف تُدار الموارد العامة وفق منطق الغنيمة والمحسوبية .
لقد أظهر التقرير صورة صادمة لواقع أليم حيث أصبحت المنح الدراسية الخارجية تُوزع كـ حوافز عائلية ومكافآت كبار المسؤولين والنافذين حتى بات يتساءل الشارع بحسرة هل أصبحت المنح الخارجية شرطًا أساسياً ومكفولاً لابن كل مسؤول بينما يُسحق أبناء العامة من ذوي الكفاءات والمتفوقين على أعتاب الحرمان ؟
إن أشد ما يدعو للغضب في نتائج التقرير ليس فقط حجم الفساد المالي بل الاستحواذ السافر لعائلات بعينها على العشرات من المقاعد الدراسية بالعملة الصعبة أسماء تتكرر بالألقاب نفسها والأنساب ذاتها وكأن التعليم العالي في الخارج أصبح حكرًا سلاليًا أو طبقيًا على أبناء النخبة الحاكمة في حين يُترك الطلاب الأوائل والمتفوقون من أبناء الكادحين يواجهون مصيرهم بلا رعاية ولا جدارة تُشفع لهم .
تجلت مظاهر هذا العبث في عدة نقاط جوهرية :
غياب تكافؤ الفرص تحويل المنح من أداة لبناء القدرات الوطنية إلى هبات شخصية تُمول من الخزينة العامة .
إهدار المال العام استنزاف الموازنات بالعملة الصعبة على دراسات غير ذات جدوى أو لأسماء غير مستحقة في وقت تعاني فيه البلاد من انهيار اقتصادي طاحن .
قتل روح المنافسة ذبح طموح الشباب المتفوق وزرع الإحباط في نفوس الكفاءات الوطنية التي ترى جهود سنوات تدمرها جرة قلم لمسؤول نافذ .
إن القضية لم تعد مجرد تجاوز إداري بل هي جريمة في حق أجيال كاملة عندما يُحرم الطالب الذي قضى سنواته يسهر الليالي ليحرز المراكز الأولى ليُمنح مقعده لابن مسؤول لم يحقق أدنى الشروط الأكاديمية فنحن أمام تجريف حقيقي لمستقبل الدولة وقيم العدالة الاجتماعية .
إن كشف القوائم ونشر التقارير خطوة لا قيمة لها إن لم تُتبع بإجراءات صارمة إلغاء كافة المنح غير المستحقة فورًا واستعادة الأموال التي صُرفت بغير حق، إحالة المتورطين في منح هذه الامتيازات العائلية إلى المحاسبة القضائية وإعادة هيكلة ملف الابتعاث برمته عبر آلية شفافة تُعلن للعلن وتضمن وصول كل ذي حق إلى حقه .
إن استمرار هذا النهج هو إعلان صريح بأن الوظيفة العامة والمنح الدراسية صُممت لخدمة العائلات النافذة بينما يُفرض على أبناء العامة الدفع من دمائهم ومستقبلهم .