آخر تحديث :الثلاثاء-28 يوليو 2026-11:26م

أخلاق الضباع والسلطة ..

الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - الساعة 07:16 م
د. جمال الهاشمي


إن التأمل بعين النظر إلى أحوال الضباع يجد أن القمامة هي الوظيفة الأساسية لوجودهم وعندما لا يجدون ما يحصلون عليه يأكلون بعضهم ويستأسد القوي على الضعيف وما يمنع الضعيف عن فعلة القوي إلا العجز .

وانطلاقا من الصفة الى الموصوف بها نجد ​إن الواقع السياسي والاجتماعي اليمني — سلطة ومعارضة ومجتمعا— يتخذ من هذا النوع صفة لوجوده المعاصر منطق الأكلة وإن شئت الأرضة .

فالتهافت المحموم ممن هم خارج السلطة للوصول إليها يقابله الاستماتة الذريعة ممن هم داخلها للتمسك بتلابيبها دون وعي بمقتضيات التكليف وهو ما يُجسده تحذير أفلاطون الخالد في الجمهورية من أن الدول لا تنجو من هلاكها المحتوم إلا حينما يحكمها من لا يشتهون الحكم.

وعندما تختزل الدولة في كونها مأدبة للاستحواذ يتحقق ما قرره ابن خلدون في المقدمة إذ يتحول الملك من عصبية الرعاية وإقامة العدل إلى استبداد الجباية والتبديد.

​إن التهافت على الوظيفة العامة مع العجز عن النهوض بأعبائها هو تفريغ متعمد للمؤسسات ليتوارى العجز خلف شعارات الدولة والمدنية والعدالة ..

وفي هذا المعنى يقرر فريدريك نيتشه أن الدولة تفقد مشروعيتها عندما تستبدل النفع العام بالتمكين الفردي وتترفع السلطة والعامة عن النقد .

وإن شرط الخروج من هذه التيه يكمن في صدق التوجه وصدق العمل وصدق النصيحة .

وهو ما يعبر عنه أورتيغ بأن الأزمات الكبرى ليست إفلاسا في الأنظمة وإنما هي ضمور في الضمير الأخلاقي لدى الطبقة السياسية.

​ولا يقف هذا التآكل عند أروقة الحكم بل يرتد على البنية المجتمعية في حالة من "ظلم ذوي القربى" حيث يغدو العجز هو المانع الوحيد عن العدوان. وهنا يتقاطع المنظور مع طرح توماس هوبز حول تغول الطبيعة البشرية عندما يغيب القانون الرادع والنظام العادل إذ يشرعن فساد النخبة.

كما يحلل بيير بورديو انحراف القاع لتصبح الاستقامة عجزا والاعتداء على الشأن العام شطارة وفطنة .

ولن تنفتح مخارج النور إلا بردم الفجوة بين السلطة كغنيمة والسلطة كأمانة ينهض بها.

وما دام المرؤ يتجه نحو مصيبة الموت مسرعا .. فإن أشرف ما يجب على المرء فعله أن يقبل على الله في ترميم ذاته حتى يقيض الله لهذه الأمة- إن صلحت وتراحمت ومنعت نفسها عن الفساد والظلم - من إذا تولى السلطة زهد بها وعفت نفسه عنها..

وما دام المجتمع اليمني مقسم بين المكونات مستسلما لأقدار الفساد مغذيا للجبهات فإن من سنن الله أن يهلك الكلاب ببعضها ويهلك بها غيرها وهذه من حكمة الله في تأديب عباده حتى يتطهروا من الظلم فإن ظلم العباد ممن يعجل الله في الدنيا عقوبته ولا يستقيم معتقد الظالم إلا بالتطهر منها ..

وإن الله قد أرسل رسله بالبشارة والنذارة وليس بالأمل والمنى وقد بينا في مقالاتنا السابقة كيف تسير الأمة العربية نحو حتوفها وكيف تتآكل المجتمعات فيما بينها وكيف تتغير أنظمة الحكم وكيف تتمسك بها مع عجزها وضعفها وكيف يسلط الله شر العباد على العصاة منها او التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى أصبحت المنكرات والتفاهات فنونا والنهي والتحذير منها جنونا ..

فإذا كان كذلك فإن الغفلة هي الوصف القائم لحالنا وما أنزل الله بأسه على من قبلنا إلا بتلذيذ الترف حتى يصبح الفساد زينة للناس تتنافس عليه للظهور .

وأن الهجرة هي طريق الهدى وأن أول الهجر العزلة عن الأخبار والانقطاع عن العالم طهرة للنفس وتهذيبا لها والله غالب على أمره ولو أراد الناس أمرا غيره ..