آخر تحديث :الثلاثاء-28 يوليو 2026-11:26م

ترانيم منسية على وتر "الماس" حين كانت عدن تشدو كرةً ونوراً

الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - الساعة 03:30 م
خالد مبروك غالب


في الزاوية البعيدة من مدرسة "المرسابة" العتيقة في كريتر، وحيث يتنفس المكان عبق التاريخ، بدأت الحكاية. فوق تراب ملعب "الهوكي" الأسطوري تعمدت بالخطوة الأولى موهبة استثنائية، واحتضن المستطيل الترابي أحلام فتى تجري في عروقه جينات المجد والكبرياء. لم يكن الكابتن إيهاب ناصر الماس مجرد لاعب يركض خلف كرة، بل كان عازفاً يطوّع "الساحرة" لتعزف أمجاد نادي التلال العريق، ذلك العميد الذي تربع على قلوب اليمنيين وأندية الخليج.


سرت في جسد إيهاب أبجديات الكرة من شجرة عائلة صاغت تاريخ الفن والرياضة في ثغر اليمن الباسم. تعلّم الإخلاص من والده الأسطورة والمدرب الراحل ناصر إبراهيم الماس صاحب "الرأس الذهبية" التي هزت الشباك وألهمت الأجيال، واستلهم الإبداع من عمه نجم القرن الكابتن أبو بكر الماس ومن ابن عمه الكابتن واثق علي الماس. ولم يكن وحيداً في هذا الطريق، فشقيقه الكابتن إبراهيم ناصر الماس رسم هو الآخر مسيرة مميزة، تدرج في فئات التلال السنية 16 و 18 سنة، ثم انتقل إلى العاصمة صنعاء للعمل في السلك العسكري "الشرطة" وذاد عن ألوان فريق يرموك صنعاء إلى جانب الكابتن وليد إسماعيل لاعب نادي الميناء السابق، ليؤكدا معاً أن الإبداع إرث يتوارثه الفرسان جيلاً بعد جيل.


تدرج إيهاب في كل فئات التلال، وفي الثمانينات ارتدى القميص الأحمر ووقف كتفاً بكتف مع عمالقة اللعبة. وتظل في الذاكرة محطات لا يمحوها النسيان. ما زال صدى تلك المباراة يتردد حين ارتدى قميص الناشئين وواجه المنتخب الوطني بقيادة الهرم الكروي علي محسن المريسي رحمه الله، لينتهي اللقاء بفوز تاريخي للناشئين 3-2، وينال فيها إيهاب شهادة ميلاده الكروية بنبوءة من المريسي بمستقبل باهر. وفي ملعب الشهداء بأبين احتفل الملعب بتعشيبه فتألق إيهاب أمام فريق حسان كشمس لا تغيب، سجل هدفاً وصنع ثلاثة أخرى في ليلة دك فيها التلال شباك خصمه برباعية. وتعود الذاكرة إلى ملعب الحبيشي بترابه الأحمر حيث صنع لعمه الدكتور الراحل أسامة الماس هدفاً باهياً استقر في شباك طليعة لحج. أما أجمل الألحان فكانت في كأس العمال أمام فريق الجيش العتيد. حين خيم الإحباط وجاء الصوت الهادر من دكة الاحتياط للمدرب الراحل سعيد دعالة "سددها يا إيهاب"، انطلقت ضربة حرة مباشرة من على خط الـ 18 كالبرق، اخترقت الجدار البشري واستقرت في قعر الشباك معلنة التعادل القاتل، لتهتز المدرجات قبل أن تبتسم ركلات الترجيح للتلال في ليلة حبست الأنفاس.


لم تقف المسيرة عند حدود التلال. امتدت لتلامس قمم تعز حيث يعتز إيهاب بمشاركته التاريخية إلى جانب الحارس العملاق عادل إسماعيل رحمة الله عليه بشعار طليعة تعز لنصف موسم، ثم حط الرحال ليلعب في الحديدة تحت القيادة الفنية والتكتيكية لوالده الملهم ناصر الماس، كاتباً بجهده وعرقه فصولاً من الوفاء والمجد. وعندما حزم حقائب الغربة واستقر في أوروبا وتحديداً تحت سماوات الدنمارك الباردة، لم يتوقف نبض عائلة الماس. خاض إيهاب تجربة احترافية في الدوري الدنماركي للدرجة الثالثة، ولم يكن بمفرده بل رافقه عمه الكابتن حسن إبراهيم الماس وابن عمه الكابتن خالد محمد الماس، ليشكلوا معاً سفيراً ثلاثياً للكرة اليمنية في الملاعب الأوروبية.


واليوم وبعد أن تفرق عشاق الأمس ورحلت تلك الأيام المحملة بعبير البحر وكبرياء الجبل، ينقل الكابتن إيهاب الماس رحال استقراره إلى السويد. لكن صقيع الغربة لا يطفئ في قلبه جمرة الذكريات، فهو يحمل في غربته دفء ذلك الزمن الناصع وتاريخاً صيغ من ذهب خالص، لا تطويه السنون ولا تغيره المسافات، ليبقى اسماً عائلياً محفوراً بأحرف من نور في وجدان الرياضة اليمنية.