آخر تحديث :الإثنين-27 يوليو 2026-11:28م

المكونات المستنسخة... مشروع نفوذ لا مشروع دولة

الإثنين - 27 يوليو 2026 - الساعة 03:44 م
عبدالله الجفري


تشهد المحافظات الجنوبية خلال هذه المرحلة تحركات تهدف إلى إنشاء مجلس تنسيقي يسعى إلى ضم محافظي المحافظات الجنوبية، إلى جانب عدد من الشخصيات السياسية والاجتماعية، برعاية إحدى القيادات السياسية التي تتولى منصباً رفيعاً في الدولة. وبغض النظر عن المسمى أو المبررات المعلنة، فإن مجرد التوجه نحو إنشاء مثل هذا الكيان يعيد إلى الواجهة تجربة المكونات والكيانات السياسية الموازية التي لم تثمر خلال السنوات الماضية إلا مزيداً من الانقسام، واستنزاف الموارد، وإضعاف مؤسسات الدولة، بينما ظل المواطن هو من يدفع ثمن تلك التجارب.


ولا يكمن الاعتراض على مبدأ التشاور أو التنسيق بين المحافظات، فذلك أمر مطلوب إذا جرى عبر مؤسسات الدولة وأجهزتها الرسمية، وإنما يكمن في تحويل هذا التنسيق إلى كيان سياسي مواز يسعى إلى استقطاب مسؤولين تنفيذيين وشخصيات سياسية واجتماعية، بما يفتح الباب أمام إنشاء مركز نفوذ جديد خارج الإطار المؤسسي، ويعيد إنتاج نهج أثبت الواقع أنه لم يحقق للدولة استقراراً، ولم يقدم للمواطن حلولاً حقيقية.


ولعل أخطر ما في هذه المشاريع أنها لا تنطلق من الحاجة إلى إصلاح مؤسسات الدولة أو تحسين مستوى معيشة المواطنين، بقدر ما تسعى إلى بناء مركز نفوذ سياسي يمنح القائمين عليه أوراق قوة في أي ترتيبات أو تسويات قادمة، وإظهار قدرتهم على الحشد والتأثير، بما يكرس واقعاً يقوم على موازين القوى أكثر مما يقوم على قوة الدولة ومؤسساتها. وهكذا تتحول الكيانات المستحدثة من أدوات يفترض أن تخدم الصالح العام إلى وسائل لتعزيز النفوذ السياسي والمساومة في الاستحقاقات المقبلة.


وعندما يكون الداعي إلى إنشاء مثل هذا المجلس إحدى القيادات السياسية التي تتولى منصباً رفيعاً في الدولة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الحاجة إلى إنشاء إطار سياسي جديد، بينما تمتلك هذه القيادة ما يكفي من الصلاحيات والإمكانات لمعالجة كثير من الاختلالات من داخل مؤسسات الدولة؟ فإذا كانت هناك أوجه قصور في الأداء، فإن معالجتها تبدأ من ممارسة المسؤولية، لا من إنشاء هياكل موازية قد تزيد المشهد السياسي والإداري تعقيداً.


إن المواطن اليوم لا يعنيه عدد المجالس أو تعدد المسميات، بقدر ما يعنيه أن يلمس تحسناً حقيقياً في حياته اليومية. فهو ينتظر استقرار الخدمات الأساسية، وتحسناً في الأوضاع الاقتصادية، ووقف انهيار العملة، وصرف الرواتب بانتظام، ووجود مؤسسات فاعلة تفرض سيادة القانون، وتحارب الفساد، وتحاسب المقصرين. وهذه الأهداف لا تتحقق بإنشاء كيانات جديدة، وإنما بإدارة مسؤولة، وإرادة سياسية جادة، وتفعيل مؤسسات الدولة لتقوم بواجباتها تجاه المواطنين.


ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي من المحافظين، وكذلك من الشخصيات السياسية والاجتماعية التي يراد إشراكها في هذا المجلس، إعادة النظر في الانخراط في مثل هذه المشاريع. فالمحافظ ليس ممثلاً لمكون سياسي أو تكتل مرحلي، وإنما ممثل للدولة في محافظته، ومسؤول عن جميع أبنائها دون استثناء. كما أن الشخصيات السياسية والاجتماعية يقع على عاتقها تعزيز وحدة الصف، والإسهام في دعم مؤسسات الدولة، لا الانخراط في أطر قد تؤدي إلى خلق ولاءات جديدة خارج الإطار المؤسسي.


لقد أثبتت التجارب السابقة أن إدخال المحافظين في مكونات سياسية موازية لم يخدم المحافظات ولا المواطنين، بل أوجد ازدواجية في المرجعيات، وأضعف حضور مؤسسات الدولة، حتى غدت بعض السلطات المحلية أقرب في ولائها إلى تلك المكونات من ارتباطها بالمؤسسات الرسمية، الأمر الذي انعكس سلباً على الأداء الإداري، وأربك العمل التنفيذي، وأسهم في تعميق الانقسامات وإضعاف هيبة الدولة.


ولهذا فإن أي مشروع يسعى إلى ضم المحافظين ضمن إطار سياسي مواز يستوجب التوقف أمامه بجدية، لأن نجاح المحافظ في أداء مهامه يرتبط باستقلاله المؤسسي وحياده الإداري، لا بانتمائه إلى أي كيان سياسي، فاختلاط المسؤولية التنفيذية بالاصطفافات السياسية ينعكس في نهاية المطاف على مصالح المواطنين وعلى كفاءة مؤسسات الدولة.


كما أن من المؤسف استمرار بعض الشخصيات السياسية من مختلف المحافظات الجنوبية في الرهان على إعادة إنتاج الأدوات ذاتها التي أثبتت التجربة عدم جدواها، وكأن الأزمة كانت في الأسماء والمسميات، لا في النهج الذي أضعف مؤسسات الدولة، وبدد الموارد، وأرهق المواطنين دون أن يحقق استقراراً سياسياً أو اقتصادياً أو خدمياً.


لقد دفعت المحافظات الجنوبية ثمناً باهظاً نتيجة تلك التجارب، ومن غير الحكمة إعادة إنتاجها تحت عناوين جديدة. فالمشكلة لم تكن في أسماء الكيانات، وإنما في النهج الذي قدم الولاءات السياسية على مؤسسات الدولة، وجعل النفوذ غاية بحد ذاته، بينما تراجعت أولويات المواطن، واستمرت الأزمات تتفاقم عاماً بعد آخر.


ومن يراهن على أن إنشاء هذه الكيانات سيمنحه ثقلاً سياسياً أو أوراق مساومة في أي تسوية قادمة، فإنه يتجاهل أن شرعية أي مشروع لا تقاس بحجم المكونات التي ينشئها، ولا بعدد الشخصيات التي يستقطبها، وإنما بما يقدمه للوطن من استقرار، وللمواطن من خدمات، وللدولة من قوة وهيبة. أما غير ذلك، فهو مجرد إعادة إنتاج لمعادلة النفوذ التي أثبتت فشلها مراراً.


إن اليمن، والجنوب على وجه الخصوص، ليس بحاجة إلى مزيد من الكيانات السياسية، بل بحاجة إلى دولة قوية بمؤسساتها، وإلى مسؤولين يمارسون صلاحياتهم من مواقعهم الرسمية، ويخضعون للمساءلة، ويضعون مصلحة المواطن فوق أي اعتبار سياسي أو شخصي.


إن بناء الدولة يبدأ باحترام مؤسساتها، والمحافظة على استقلال القرار التنفيذي، ومنع ازدواجية الأدوار والولاءات. فاستمرار إنشاء الكيانات الموازية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام، واستنزاف الموارد، وإطالة معاناة المواطنين. "أما الطريق الحقيقي نحو الاستقرار، فيبدأ من ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وتوحيد الجهود تحت مظلة الدولة، لا تحت مظلة مراكز نفوذ تنشأ كلما اقتضت الظروف السياسية صناعة أوراق قوة جديدة.