آخر تحديث :السبت-25 يوليو 2026-11:20م

حين يدفع الحوثي اليمن إلى الحرب… وتقبض إيران الثمن

السبت - 25 يوليو 2026 - الساعة 09:45 م
خالد عليان


تفكيك خطاب الحصار مقابل الحصار وكلفة المغامرة الجديدة على اليمنيين

منذ سنوات يعيش اليمن واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث، انقلاب على شرعيته الدستورية، وحرب أنهكت الاقتصاد، وأضعفت مؤسسات الدولة، ودفعت ملايين اليمنيين إلى دائرة الفقر والنزوح والاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذا الواقع المأساوي تبرز بين الحين والآخر خطابات وتصريحات تنذر بتوسيع دائرة الصراع، بما في ذلك إعلان مواجهة عسكرية مباشرة مع المملكة العربية السعودية تحت شعارات مختلفة تطلقها المليشيات الحوثية المدعومة ايرانياً من بينها "الحصار مقابل الحصار” و" التصعيد مقابل التصعيد ".

إن أخطر الحروب تلك التي تسبقها حملة طويلة لإقناع الناس بأن الحرب هي الطريق الوحيد إلى الخلاص. والسؤال الذي ينبغي أن يسبق هذه الحماسة والخطابات والشعارات هو: ماذا لو تحولت هذه التهورات إلى حرب فعلية؟

هذا ليس سؤالاً عابراً نضعه في هذا المقال لشد الانتباه، هو سؤال مصيري فاليمن

لا يدخل أي حرب جديدة من نقطة الصفر وإنما يدخلها باقتصاد منكمش، ومؤسسات منهكة، وخدمات متدهورة، وملايين يعتمدون على المساعدات.

وأي اضطراب جديد في الموانئ وطرق الشحن والتجارة لن يقع أثره على أصحاب المنابر النارية واصحاب الصرخات القتالية سينعكس على سعر كيس الدقيق، ودواء المريض، وقدرة الأسرة على إطعام أطفالها.


دعونا نستعين باخر التقارير الدولية لدعم هذا المقال فالتقارير الاممية الموثقة تفيد بأن الاقتصاد اليمني انكمش بأكثر من النصف منذ بداية ما تسميه الصراع في اليمن فيما لا تعمل بصورة كاملة سوى قرابة 59 %من المرافق الصحية.

من هنا يجب أن نفكك المعادلة قبل أن ننقاد خلفها هل يوجد "حصار شامل" فعلاً على اليمن؟ وهل السعودية بالخصوص وراء فرض حصار خانق على البلاد؟


إن آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش في اليمن تنشر بصورة دورية أعداد السفن التي حصلت على تصاريح، والسفن التي أبحرت، وكميات الشحنات التي أُفرغت في الموانئ الواقعة على البحر الأحمر. وكانت تقاريرها الشهرية مستمرة حتى يونيو 2026م بما يثبت وجود حركة تجارية وآلية أممية لإصدار التصاريح ودخول الشحنات وإن ظلت الحركة عرضة للاضطراب بفعل الحرب والمخاطر الأمنية.

كما أظهرت تقارير الرصد الاقتصادي أن واردات الغذاء إلى اليمن استمرت عبر موانئ البحر الأحمر والموانئ الحكومية، وارتفعت الواردات الغذائية عبر موانئ البحر الأحمر الخاضعة للحوثيين بنسبة 72 % وأكد التقرير نفسه أنه لم يحدث، خلال الفترة التي تناولها، انقطاع في واردات الوقود بسبب أزمة البحر الأحمر.

أما مطار صنعاء فقد عادت الرحلات التجارية الدولية منذ عام 2022م ، واستمرت إلى وجهات خارجية ، وإن تعرض المطار لاحقاً لأضرار وتوقفات متقطعة بسبب التصعيد العسكري والاستيلاء على مخصصات الناقل الجوي الرسمي وتدمير طائرات البلاد في مغامرات الحوثي غير محسوبة وفتح المجال الجوي لأغراض متعلقة بالخبراء والأسلحة والرحلات بين طهرن وصنعاء وكان اخرها ما حدث من اختراق للأجواء اليمنية عبر طيران "ما هان إير" الإيرانية ، ولذلك فإن الوصف الدقيق ليس وجود "حصار " لا تدخل معه سفينة ، ولا تقلع طائرة ولكن وجود جماعة مسلحة سلمت قرارها لدولة لا ترتبط باليمن لا تاريخا ولا جغرافيا ولا حتى لغة مشتركة او مصالح تجارية او جالية عريضة.

هذا الفارق ضروري أن يفهمه الناس لأن تشخيص المشكلة بصورة زائفة يقود حتماً إلى وصفة أكثر زيفاً. فإذا كانت السفن تدخل، والبضائع تصل، والتصاريح تصدر والرحلات تعمل حين تسمح الظروف الأمنية، فهل تحتاج المشكلة إلى صواريخ على السعودية وإغلاق باب المندب؟ أم تحتاج إلى تسوية سياسية، واستقرار أمني، وإدارة مسؤولة للموانئ والإيرادات، وضمان حرية حركة المواطنين والتجارة؟


ثم هل يمكن لمن يهدد بإغلاق طريق التجارة أن يقدم نفسه مدافعاُ عن حق اليمنيين في فتح الطرق؟

كما تزداد مفارقة خطاب " فك الحصار" وضوحاً عند النظر إلى ما حدث لموانئ تصدير النفط في حضرموت وشبوة.

ولمن لم يعد يتذكر: في أكتوبر ونوفمبر 2022م استهدفت هجمات حوثية بالطائرات المسيرة ميناء الضبة في حضرموت وميناء قنا في شبوة ومرافق مرتبطة بتصدير النفط، ما أدى إلى توقف صادرات النفط الحكومية، وهي أحد أهم مصادر النقد الأجنبي وتمويل الموازنة العامة للدولة.


النفط ترتبط به قدرة الدولة على دفع الرواتب، وتمويل الكهرباء والخدمات، والحفاظ على قيمة العملة، واستيراد الاحتياجات الأساسية. وعندما يتوقف هذا المورد يتضرر الموظف والمعلم والجندي والمريض والطالب.

فكيف يمكن لجماعة متمردة استهدفت موانئ تصدير النفط، وأوقفت أهم مورد سيادي للدولة، أن تتحدث بعد ذلك عن حماية ثروات اليمن وعن الجهة التي تسببت في انقطاع الرواتب؟

لا يمكن صناعة الأزمة ثم الوقوف أمام ضحاياها بوصف صانع الأزمة منقذاً لهم.

يريد الخطاب الحوثي الأخير أن يقنع اليمني المنهك بأن تهديد السعودية وإغلاق باب المندب سيجبران الآخرين على رفع ما يسميه الحصار. لكن هذه المعادلة تتجاهل سؤالاً جوهرياً: ماذا سيحدث عندما تتحول اليمن إلى مصدر تهديد لأحد أهم ممرات التجارة العالمية؟

باب المندب ليس ممرا لدولة واحدة، إنه شريان يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط، وتتقاطع عنده مصالح قوى اقتصادية وعسكرية كبرى، والاعتداء على الملاحة فيه لا يصنع خصومة مع الرياض وحدها هو يضع اليمن في مواجهة شركات ودول وأسواق ومصالح دولية واسعة.

وقد وثقت الأمم المتحدة والبنك الدولي أن هجمات البحر الأحمر دفعت شركات الملاحة إلى تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح، وأطالت مسافات الرحلات ومددها، ورفعت استهلاك الوقود وتكاليف الشحن والتأمين. وقد زادت المسافات التي تقطعها سفن الشحن بنسب وصلت إلى 53% وارتفعت مدد الرحلات بما يصل إلى 51% في بعض المسارات.

غير أن المفارقة الأشد قسوة هي أن اليمن سيكون من أول المتضررين.

فبلد يستورد نحو 90% من غذائه لا يستطيع العبث بأمن خطوط الملاحة ثم يتوقع بقاء أسعار الغذاء والشحن والتأمين كما هي.


دعونا نقرب المشهد أكثر ونسأل ونجيب ماذا ستخسر اليمن في الحرب؟

إذا انتقلت الأحداث إلى مواجهة مباشرة مع السعودية، فلن تكون الحرب مجرد تبادل محدود للصواريخ والطائرات المسيرة.

ولن ينجح الحوثي كما يتوقع في تخفيف الضغط على إيران ومضيق هرمز ولن يتمكن من مواصلة الاتكاء على أن السعودية لا ترغب بالحرب حفاظا على مصالحها الاقتصادية ستدخل اليمن مرحلة أشد تعقيداً، ويمكن اختصار خسائرها في أربع دوائر مترابطة.


أولاً: خسارة ما تبقى من الاقتصاد.

سترتفع تكاليف النقل والتأمين والاستيراد، وتتراجع حركة الموانئ، ويزداد الضغط على العملة والأسعار وسيكون الغذاء والدواء والوقود أول ما يتأثر.


ثانياً: خسارة فرص السلام وإعادة الإعمار.

أي حرب جديدة تعني تدمير لبنى ومقدرات البلاد وارتفاع في كلفة الحرب وضحاياها من المدنيين والمغرر بهم هذا عوضاً عن تأجيل الإعمار، وهروب الاستثمار، واستمرار اعتماد اليمن على المساعدات.

ثالثاً: تعريض ملايين اليمنيين في السعودية والخليج للقلق وعدم الاستقرار.

ترتبط آلاف الأسر اليمنية بتحويلات أبنائها العاملين في دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة، وهذه التحويلات هي شريان حياة الناس. فهل فكر أصحاب التهديدات في مصير هؤلاء وفي الأسر التي تعيش على تحويلاتهم؟


رابعاً: توسيع المواجهة إلى أزمة دولية.

تهديد السعودية وباب المندب يستجلب ردوداً وتحالفات عسكرية واقتصادية لحماية الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.

وهذا ما شاهدناه من تنديدات دولية باستهداف الحوثيين للسفن السعودية ومساندات عربية وإسلامية واسعة للملكة واستعداد من بعض الدول للمشاركة في رد الاعتداءات ومواجهة المليشيات الحوثية وحينها ستتحول الأرض اليمنية مجدداً إلى ساحة مواجهة بين قوى أكبر من قدرة اليمنيين على التحكم بها.

وهذه ليست دعوة إلى الخوف هي فرصة لقراءة المشهد وإعادة الحساب.

نحن على ثقة بأن اليمنيين لن يراهنوا بمستقبلهم على سلطة لا تملك علاقات طبيعية مع محيطها العربي، ولا تمثيلاً معترفاً به في المؤسسات الدولية

وعلينا أن نعرف أن إيران مهما خاضت من صراعات وحروب مع خصومها، تظل تحتفظ بدولتها وسفاراتها واقتصادها ومؤسساتها وعلاقاتها الدولية. وإذا تصاعدت المواجهة اليوم في اليمن، فلن يكون المواطن الإيراني هو من يفقد منزله في صنعاء أو الحديدة أو صعدة.

هذه هي الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب: القوى الإقليمية تستطيع التفاوض في النهاية على مصالحها، أما اليمني فقد يبقى وحده تحت الأنقاض.

ومن الخطأ قراءة ضبط النفس السعودي باعتباره عجزاً أو خوفاً أو بناء الحسابات العسكرية على لغة الاستعراض في المنصات والشاشات.

المملكة دولة ذات ثقل اقتصادي وسياسي وعسكري، وترتبط بشبكة واسعة من العلاقات والشراكات الدولية، وتمتلك قدرات كبيرة للدفاع عن أراضيها ومصالحها. وإذا شعرت بأن أمنها أو منشآتها أو تجارتها تتعرض لتهديد مباشر، فإن احتمال المواجهة الواسعة يصبح واقعياً ومبرراً دولياً بكل خسائره.

وعلينا أن ندرك كيمنيين أن السعودية قد تصلح منشأة تتعرض لهجوم، وتعيد بناء طريق أو مطار تعرض للاعتداء، فهي تستند إلى اقتصاد كبير واحتياطيات ومؤسسات. أما اليمن فيحتاج إلى سنوات لترميم محطة كهرباء أو جسر أو مستشفى، ومن هنا فإن أي مقارنة حسابية بين كلفة الحرب على الطرفين تكشف أن اليمن سيكون الحلقة الأضعف، وأن اليمني سيكون الخاسر الأكبر.


وقبل أن تبدأ الحرب:

على كل يمني في مناطق سيطرة المليشيات يسمع شعار "الحصار مقابل الحصار" و" التصعيد مقابل التصعيد " أن يتوقف لحظة ويسأل:


من سيطعم أسرتي إذا ارتفعت الأسعار؟ من سيحميني إذا اتسعت الضربات؟

من سيعيد بناء منزلي إذا دمر؟ من سيضمن راتبي وعمل أبنائي؟

وما الضمانة بأن من عجز عن تحسين حياتي خلال سنوات سيجعلها أفضل بعد حرب ستأتي على كل شيء؟


فالحرب ليست بياناً حماسياً، ولا مقطعاً مصوراً يتداوله الناشطون للحصول على الإعجابات والمشاركات، ولا صاروخاً يطلق ثم تنتهي الحكاية.


التجارب السابقة تقدم جواباً لا يحتاج إلى كثير من الجدل : الذين يتخذون قرار الحرب يجدون دائماً مكاناً آمناً يختبئون فيه كما يفعل رجل الكهف الذي لا يعرفه اليمنيون الا عبر الشاشات ، شخص هلامي لا يعرف مكانه داخل البلد ام خارجها ، ولا يقابله أحد ولا يلتقي بالناس ، وليس له مقر عمل ، ولا علاقات دولية ، ولا حتى عربية او إسلامية وقياداته المختفون هم أيضاً قد عملوا على تأمين أنفسهم وأسرهم أما المقاتل المغرر به فهو وقود معارك عبثية ونهايته صورة تعلق في جدار والمواطن الذي تحت سيطرة المليشيا هو من سيحمل أبناءه ويبحث عن مأوى ، وهو من يخسر بيته ومستقبل أطفاله.


ولهذا فإن حماية اليمن اليوم تبدأ بمواجهة حقيقة لهذا الفكر الدخيل وعدم مساندته في جر اليمن إلى حرب خاسرة وإيقاف عبثه بالبلاد والعباد.