اليمن أولاً
تمر الأوطان في مراحل مفصلية يصبح فيها الانشغال بالخلافات السياسية ترفا لا تحتمله الظروف وتصبح الأولوية الوطنية هي توحيد الصفوف وتغليب المصلحة العليا للدولة واليوم يقف اليمن أمام مرحلة تتطلب من الجميع أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم وأن يدركوا أن معركة استعادة الدولة واستقرارها لا يمكن أن تنجح إلا إذا توحدت الإرادات الوطنية وارتفعت فوق الحسابات الضيقة والخلافات المرحلية إن الوطن اليوم أكبر من الجميع وأعظم من أي مكون أو حزب أو شخصية سياسية
ومن هنا فإن رسالتي إلى جميع الكتاب والإعلاميين والمثقفين وصناع الرأي وهي أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى خطاب يجمع ولا يفرق ويبني ولا يهدم ويزرع الثقة ولا يغذي الانقسام لأن الكلمة أصبحت اليوم جزءا من صناعة الوعي ومسؤولة عن توجيه الرأي العام نحو تعزيز وحدة الصف الوطني أو تكريس حالة التشظي التي لا يستفيد منها إلا خصوم الدولة
إن القراءة الأكاديمية لمسار الأزمات تؤكد أن الدول التي نجحت في تجاوز محنها لم تحقق ذلك بانتصار طرف وطني على طرف وطني آخر وإنما عندما أدرك الجميع أن حماية الدولة تتقدم على التنافس السياسي وأن الاختلافات مهما كانت مشروعيتها يمكن أن تؤجل حتى تستعيد المؤسسات عافيتها ويعود الاستقرار ويصبح الاحتكام إلى الإرادة الشعبية هو الفيصل بين الجميع
إن استشراف المرحلة القادمة يفرض علينا أن ننظر إلى المشهد بعقل الدولة لا بعقل الجماعات وأن ندرك أن إدارة المراحل الحساسة تحتاج إلى رؤية استراتيجية تتجاوز ردود الأفعال والانفعالات الآنية فالمشهد الوطني لا يدار بالشعارات وحدها وإنما بحسابات دقيقة تراعي المصلحة العامة وتحافظ على تماسك الجبهة الوطنية وتمنع الانجرار إلى معارك جانبية تستنزف الطاقات وتبدد الفرص
ولذلك فإن الواجب الوطني اليوم يقتضي أن تتجه الأقلام والجهود نحو تعزيز الثقة بين المكونات الوطنية وترسيخ ثقافة الشراكة والعمل المشترك واحترام التنوع السياسي في إطار الدولة والقانون لأن الوطن لا يبنى بالإقصاء ولا يدار بمنطق الغلبة وإنما يبنى بالتوافق والمسؤولية والإيمان بأن الجميع شركاء في صناعة المستقبل
وعندما تستقر الأوضاع وتستعيد الدولة مؤسساتها ويتهيأ الوطن لمرحلة الاستقرار فإن صناديق الاقتراع ستبقى الوسيلة الحضارية التي يحتكم إليها الجميع وهي التي تمنح الشرعية الشعبية وتحدد من يقود المرحلة المقبلة أما اليوم فإن مسؤولية الجميع هي حماية المشروع الوطني وتوحيد الكلمة وتعزيز الوعي وترسيخ الثقة لأن الأوطان لا تنتصر بالخلافات وإنما تنتصر عندما تتوحد الإرادة الوطنية حول هدف واحد هو بناء الدولة وصون كرامة الإنسان وتحقيق الأمن والاستقرار
إن اليمن بحاجة إلى خطاب وطني مسؤول يعلو فوق الاصطفافات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الشراكة والثقة والعمل المشترك فكلما ارتفع مستوى الوعي الوطني اقتربت الدولة من استعادة قوتها وكلما توحدت الكلمة أصبح المستقبل أكثر أملا واستقرارا وسيظل الوطن أكبر من الجميع وستبقى اليمن أولا.