من يراقب مسار الأزمة اليمنية منذ انقلاب مليشيات الحوثي الإرهابية على مؤسسات الدولة في سبتمبر 2014 يلاحظ أن التحولات التي شهدتها البلاد تجاوزت حدود الصراع الداخلي، ووصلت إلى إعادة تشكيل دور اليمن في الإقليم فقد انتقلت المواجهة تدريجيًا من انقلاب على السلطة إلى واقع أصبحت فيه الجغرافيا اليمنية حاضرة في حسابات إيران تتجاوز المصالح الوطنية، وهو تطور فرض أثمانًا باهظة على الدولة والاقتصاد والمجتمع.
ويحتل اليمن موقعًا استثنائيًا على خريطة التجارة العالمية، إذ يشرف على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبره نسبة كبيرة من حركة التجارة الدولية وكانت هذه الميزة تمثل رصيدًا استراتيجيًا يمكن أن يدعم الاقتصاد الوطني ويعزز مكانة اليمن الإقليمية، إلا أن المليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة إيرانيًا دفعت بهذا الموقع إلى دائرة التوتر، بعد استهداف السفن التجارية وتعرضها لهجمات متكررة، وما تبعها من اضطراب في حركة الملاحة وارتفاع مستويات المخاطر.
هذه التطورات امتدت آثارها إلى عموم الداخل اليمني فقد ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري، وتأثرت سلاسل الإمداد، وانعكس ذلك على أسعار السلع الأساسية في بلد يعتمد بصورة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاته الغذائية والدوائية.
وفي الوقت نفسه، تراجعت فرص الاستثمار، وتأخرت مشاريع إعادة الإعمار، وازدادت صعوبة استعادة النشاط الاقتصادي في ظل بيئة أمنية وسياسية تحكمها المليشيات الحوثية الإرهابية بالحديد والنار.
ولاشك أن استجلاب الحرس الثوري الإيراني إلى اليمن يضعها في مواجهة تحديات تتجاوز إمكاناته، ويمنح القوى الخارجية مساحة أوسع للتأثير في مسار الأزمة.. ومع استمرار هذا الواقع، تتراجع قدرة الدولة على صياغة سياسات مستقلة تستند إلى أولوياتها الوطنية، بينما تتسع دائرة الخسائر التي يتحملها المواطن اليمني في معيشته واستقراره ومستقبله بسب تصعيد المليشيات الحوثية الإرهابية.
ويظل مفهوم السيادة مرتبطًا بقدرة الدولة على حماية قرارها الوطني، وتأمين حدودها وممراتها الاستراتيجية، وإقامة علاقات متوازنة مع محيطها العربي والمجتمع الدولي. وكلما تهربت المليشيات الحوثية وأبعدت القرار عن الاعتبارات الوطنية، ازدادت كلفة الصراع على الاقتصاد، واتسعت فجوة الاستقرار، وتعقدت فرص الوصول إلى تسوية مستدامة.
إن استعادة الدولة في اليمن تبدأ باستعادة استقلال القرار الوطني، وتحييد الجغرافيا عن التجاذبات الإقليمية، وإعادة توجيه الموقع الاستراتيجي للبلاد نحو دوره الطبيعي بوصفه رافعة للتنمية والتجارة والتعاون الإقليمي. فاليمن يمتلك من المقومات الجغرافية والاقتصادية ما يؤهله ليكون نقطة اتصال بين القارات، وهي ميزة لا يمكن استثمارها إلا في ظل دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وسياسات تنطلق من المصلحة الوطنية باعتبارها المرجعية الأولى لكل قرار.
صلاح الدين الأسدي