في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الحكومات اليمنية، أُسندت حقيبة الخارجية وشؤون المغتربين (وهي إحدى أرفع الحقائب السيادية) إلى امرأة، وذلك بموجب قرار جمهوري أصدره رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، قبل أيام خلت، قضى بإجراء تعديل محدود على حكومة الدكتور شائع الزنداني، تضمّن تعيين الدكتورة أفراح الزوبة وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين.
وقد أثار القرار نقاشًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، غلب عليه الاعتراض، حيث انصب جانبٌ كبير منه على مدى مشروعية تعيين شخصية من خارج السلك الدبلوماسي لتولي هذا المنصب. وفي خضم هذا النقاش، يثور تساؤل قانوني جوهري: هل يشترط التشريع اليمني أن يكون وزير الخارجية من أعضاء السلك الدبلوماسي، أم أن تعيينه يظل من إطلاقات السلطة التقديرية للقيادة السياسية في حدود أحكام الدستور والقانون؟
وللإجابة عن هذا التساؤل، ينبغي التمييز بين المشروعية القانونية والملاءمة السياسية؛ فالأولى يحكمها النص القانوني، بينما الثانية تدخل في نطاق السلطة التقديرية للجهة المختصة. ومن ثم، فإن تقييم القرار يقتضي البدء ببحث مشروعيته القانونية قبل مناقشة مدى ملاءمته السياسية.
وبالرجوع إلى الدستور اليمني (والوثائق المعدلة له)، والتشريعات النافذة، يتضح أن المشرّع لم يجعل الانتماء إلى السلك الدبلوماسي شرطًا لتولي منصب وزير الخارجية. فقد حصرت المادة (١٣١) من الدستور، وأكدت ذلك المادة (٣) من قانون مجلس الوزراء رقم ٣ لسنة ٢٠٠٤م، شروط تعيين الوزير في توافر شروط عضوية مجلس النواب، مع مراعاة ألا يقل عمره عن ثلاثين عامًا، دون فرض أي قيد يتعلق بالخلفية الوظيفية أو المهنية للمرشح وزيراً.
ومفاد ذلك أن شروط التعيين الواردة في التشريع جاءت على سبيل الحصر، تاركةً اختيار الوزراء للسلطة التقديرية للقيادة السياسية، وفقًا لاعتبارات الكفاءة والثقة والمصلحة العامة.
والحقيقة أن جانبًا من الاعتراض على التعيين يقوم على خلطٍ بين المنصب السياسي والوظيفة الدبلوماسية؛ فوزير الخارجية ليس موظفًا في السلك الدبلوماسي، وإنما هو عضو في مجلس الوزراء يتولى رسم السياسة الخارجية للدولة والإشراف على تنفيذها، في حين أن السلك الدبلوماسي جهاز مهني تنفيذي يخضع لأحكام قانون السلك الدبلوماسي والقنصلي. وتلك التفرقة يؤكدها الفقه الإداري بتقريره التمييز بين الوظائف السياسية التي تتعلق بصنع السياسات العامة، والوظائف الإدارية والمهنية التي تقوم على التدرج والتخصص الوظيفي، لنخلصَ إلى أنّ منصب الوزير يختلف بطبيعته القانونية عن الوظيفة الدبلوماسية.
ولو أراد المشرّع اشتراط انتماء وزير الخارجية إلى السلك الدبلوماسي لنص على ذلك صراحة، وهو ما لم يفعله. بل إن قانون السلك الدبلوماسي والقنصلي اليمني يكشف عن مرونة المشرّع في الاستعانة بالكفاءات من خارج الكادر الدبلوماسي؛ إذ أجاز في المادة (٣٤) منه تعيين نسبة تصل إلى (١٠٪) في منصب سفير من غير موظفي الكادر، متى اقتضت ذلك اعتبارات المصلحة العامة وتوافرت في المعيّن الكفاءة اللازمة، بما يؤكد أن توجه المشرّع لم يقم على قصر الوظائف المرتبطة بالعمل الخارجي على المنتمين إلى الكادر الدبلوماسي وحسب، بل أتاح المجال للاستفادة من مختلف الخبرات والكفاءات عند الحاجة.
كما أن تشكيل الحكومة يقوم على الاختيار السياسي لا على التدرج الوظيفي؛ فالوزير يُختار على أساس الثقة والكفاءة والقدرة على إدارة المرفق العام وتحقيق السياسة العامة للدولة، وليس بالضرورة لأنه كان موظفًا في الوزارة التي سيتولاها. وإلا لكان من اللازم أن يكون كل وزير منتميًا مسبقًا إلى الجهاز الإداري للوزارة التي يقودها، وهو ما لا يعرفه النظام الدستوري.
وتؤكد التجربة اليمنية هذا الفهم؛ إذ تعاقب على وزارة الخارجية وزراء من خلفيات سياسية وأكاديمية وقانونية متنوعة، الأمر الذي يؤكد عمليًا الطبيعة السياسية للمنصب، وأن معيار المشروعية لم يكن مرتبطًا يومًا بالانتماء الوظيفي إلى السلك الدبلوماسي.
أما الاعتراضات المثارة حول قرار تعيين الدكتورة أفراح الزوبة، فهي في جوهرها تتعلق بمدى الملاءمة السياسية أكثر من تعلقها بالمشروعية القانونية. فقد أُثير في بعض النقاشات تساؤل حول تعيين امرأة في هذا المنصب، وهذا الرأي لا يجد له سندًا قانونيًا؛ فالتشريعات اليمنية لم تجعل الذكورة شرطًا لتولي المناصب العامة، وإنما جعلت الكفاءة والقدرة على أداء المسؤولية معيارًا للاختيار.
كما يرى آخرون أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى شخصية ذات خبرة دبلوماسية طويلة وممارسِة في إدارة العلاقات الخارجية. وهذا رأي يمكن تفهمه من زاوية الملاءمة، ولا شك أن الخبرة والكفاءة والقدرة على إدارة الملفات الخارجية عوامل مهمة في نجاح أي وزير، إلا أن المنطق القانوني والعملي يقتضي ألا نحكم مسبقًا على تجربة لم تبدأ بعد؛ فالحكم على أداء أي مسؤول لا يكون قبل ممارسته لمهامه، وإنما من خلال ما يقدمه من أداء وما يحققه من نتائج على أرض الواقع.
وخلاصة القول، إنّ منصب وزير الخارجية يظل منصبًا سياسيًا يرتبط بصناعة القرار الخارجي للدولة وإدارة توجهاتها الدبلوماسية، وليس وظيفةً مهنيةً يشترط قانونًا لشاغلها الانتماء إلى السلك الدبلوماسي. وعليه، فإن تعيين الدكتورة أفراح الزوبة يدخل ضمن السلطة التقديرية للقيادة السياسية، ما دام قد تم وفق الأطر الدستورية والقانونية النافذة.
أما الحكم على القرار من حيث صوابه أو خطئه، ونجاحه أو إخفاقه، فلا يُبنى على الانطباعات السابقة، وإنما على ما ستقدمه الوزيرة من أداء، وما ستحققه من نتائج في إدارة العلاقات الخارجية وانعكاساتها على الحكومة الشرعية، وتعزيز حضور اليمن وصون مصالحه العليا. ومن ثم، فإنّ الموضوعية تقتضي منح التجربة فرصتها، ثم تقييمها في ضوء ما تُسفر عنه من نتائج عملية، وذلك عين الإنصاف.
ختامًا، نهنئ الدكتورة أفراح الزوبة على ثقة القيادة السياسية، ونتمنى لها التوفيق في أداء هذه المسؤولية الوطنية.
..