آخر تحديث :الجمعة-24 يوليو 2026-11:24م

التعديل الوزاري المبكر... اعتراف بفشل المحاصصة أم هروب من المسؤولية؟

الجمعة - 24 يوليو 2026 - الساعة 04:22 م
عبدالله الجفري


لم تمض سوى أشهر قليلة على تشكيل حكومة الدكتور شائع محسن الزنداني، حتى بدأت التعديلات والإضافات الوزارية، في مشهد يثير تساؤلات سياسية وقانونية وإدارية مشروعة: هل المشكلة في أداء بعض الوزراء، أم في آلية اختيارهم التي قامت على المحاصصة منذ البداية؟ وهل يكفي تبديل بعض الأسماء لإقناع المواطنين بأن مسار الحكومة قد تغير، بينما بقيت الأسباب التي أنتجت الإخفاق قائمة؟


لقد تشكلت الحكومة وسط وعود كبيرة بوقف الانهيار الاقتصادي، وتحسين الخدمات، واستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. إلا أن أداءها منذ اليوم الأول لم يعكس تلك الوعود، فلم تحقق أي تحول ملموس في إدارة الدولة، ولم تتمكن من وقف تدهور العملة أو تحسين الخدمات أو التخفيف من معاناة المواطنين، بل استمر الانهيار وتفاقمت الأزمات على مختلف المستويات. ويؤكد ذلك أن المشكلة لم تكن في ضيق الوقت أو تعقيدات المرحلة فقط، وإنما في طريقة تشكيل الحكومة نفسها، التي قامت على المحاصصة السياسية وتقاسم النفوذ أكثر مما قامت على الكفاءة والخبرة. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يبدأ الحديث عن تعديلها بعد أشهر قليلة من تشكيلها، قبل أن يلمس المواطن أي إنجاز حقيقي.


إن التعديل الوزاري المبكر لا يمثل دليلاً على حيوية الحكومة أو قدرتها على تصحيح المسار، بل يعد مؤشراً على وجود خلل جوهري في مرحلة الاختيار الأولى، وأن الأزمة لم تكن مرتبطة بأسماء بعض الوزراء فقط، وإنما بالمنهج الذي أُنشئت على أساسه الحكومة.


إن المسؤولية السياسية لا يمكن تجزئتها أو توزيعها بعد وقوع الإخفاق. فرئيس الوزراء يبقى المسؤول الأول عن حكومته أمام الشعب والتاريخ، لأنه قبل بتشكيلها، ووافق على أعضائها، وتعهد بقيادتها وتحمل مسؤولية أدائها. كما يتحمل مجلس القيادة الرئاسي والأحزاب والقوى السياسية التي شاركت في فرض معادلة المحاصصة مسؤوليتها، لأنها قدمت الاعتبارات السياسية وتقاسم النفوذ على حساب معايير الكفاءة، وأسهمت في إنتاج حكومة لم تستطع وقف تراجع مؤسسات الدولة أو الاستجابة لتطلعات المواطنين.


وما يزيد المشهد تعقيداً وجود مناصب وزارية لا تتمتع باختصاصات تنفيذية واضحة، في وقت تعيش فيه البلاد أزمة مالية خانقة وتدهوراً في الخدمات الأساسية. فلكل منصب كلفة يتحملها المال العام، ومن الطبيعي أن يقابله عمل وإنجاز يمكن مساءلة المسؤول عنه. أما استمرار مناصب بلا مهام واضحة، فإنه يتناقض مع مبادئ ترشيد الإنفاق والإدارة الرشيدة، ويزيد من أعباء الدولة دون مردود حقيقي ينعكس على حياة المواطنين.


ولا يمكن لأي حكومة أن تنجح إذا غاب المسؤولون عن مواقعهم التنفيذية أو أصبحت إدارة الدولة تمارس بعيداً عن مؤسساتها. فالقيادة الفاعلة تتطلب حضوراً دائماً، ومتابعة ميدانية، وقرارات سريعة تتناسب مع حجم الأزمات التي يعيشها المواطن، لا إدارة موسمية أو متابعة عن بعد.


ويثير نقل المهندس بدر محمد مبارك باسلمة إلى حقيبة وزارية أخرى تساؤلاً يتجاوز شخصه إلى مبدأ إدارة الدولة نفسه: هل أصبح التعديل الوزاري وسيلة لمحاسبة المقصرين، أم مجرد إعادة توزيع للحقائب بين الأسماء ذاتها؟ فإذا كان التغيير ناتجاً عن ضعف الأداء، فكيف يمنح المسؤول حقيبة جديدة بدلاً من تقييم أدائه ومساءلته؟ وإن كان يحظى بالكفاءة والثقة، فما مبرر استبعاده من الوزارة التي كان يتولاها؟ إن تدوير المسؤولين بين المناصب دون إعلان تقييم واضح للأداء لا يعزز الثقة بالإصلاح، بل يكرس الانطباع بأن التغيير يهدف إلى إعادة توزيع المواقع أكثر من معالجة أسباب الإخفاق.


إن اللجوء إلى التعديل الوزاري بعد أشهر قليلة من تشكيل الحكومة يكشف ضعفاً في مرحلة الاختيار والتقييم، ويتسبب في إرباك المؤسسات وتعطيل الخطط والبرامج. غير أن الثمن الحقيقي لا يدفعه المسؤولون، بل يدفعه المواطن الذي يواجه يومياً تدهوراً في مستوى معيشته، وارتفاعاً في الأسعار، وانخفاضاً في قيمة العملة، وتراجعاً في الخدمات الأساسية. فالدولة ليست حقلاً للتجارب، وأخطاء الإدارة لا تقاس بالأرقام فقط، بل بما تتركه من آثار تمس حياة ملايين اليمنيين.


كما أن التعديل الوزاري لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للهروب من المسؤولية السياسية، بل يجب أن يسبقه تقييم معلن لأداء الوزراء، مع بيان أسباب الإعفاء أو التعيين، احتراماً لمبدأ الشفافية، وحتى يدرك المواطن أن التغيير جاء استجابة لنتائج واضحة، لا لإعادة توزيع النفوذ بين القوى السياسية.


وإذا كانت الحكومة قد اضطرت إلى إعادة النظر في تشكيلتها بهذه السرعة، فإن ذلك يستوجب أكثر من مجرد تبديل الأسماء، بل يتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة تشكيل الحكومات. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإنهاء المحاصصة السياسية، واعتماد الكفاءة والنزاهة معياراً وحيداً لشغل المناصب العامة، وربط بقاء أي مسؤول بما يحققه من نتائج ملموسة، لا بما يحظى به من دعم سياسي أو حزبي.


إن الدول لا تنهض بكثرة الوزراء، ولا بتكرار التعديلات الحكومية، وإنما تنهض حين تصبح الكفاءة معياراً للتعيين، والمساءلة أساساً للاستمرار، والقانون مرجعية للجميع، وتكون المصلحة الوطنية فوق اعتبارات المحاصصة والترضيات السياسية. أما استمرار تشكيل الحكومات بالآلية نفسها، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الفشل مهما تغيرت الأسماء وتبدلت الحقائب.


ويبقى السؤال الذي ينتظر اليمنيون إجابته بصدق: هل كانت هذه التعديلات المبكرة اعترافاً بفشل التشكيلة الحكومية منذ البداية، أم أنها مجرد محاولة جديدة لإدارة الأزمة بالأدوات ذاتها التي أوصلت البلاد إلى هذا الواقع؟


فالمواطن لم يعد يعنيه من يدخل الحكومة ومن يغادرها، بقدر ما يعنيه أن يرى دولة تستعيد هيبتها، ومؤسساتٍ تؤدي واجبها، وحكومة تتحمل مسؤوليتها كاملة أمام الشعب والتاريخ. فالتاريخ لا يسجل عدد التعديلات الوزارية، بل يسجل من امتلك القدرة والإرادة لإنقاذ الدولة، ومن سمح باستمرار نزيفها.