يقال "لا تحكم على ما تسمع، بل على ما ترى". وهذا بالفعل ما حدث معي حين زرتُ عدن مؤخراً ورأيتُ فيها عكس ما كنت أسمعه عنها . خلال أسبوع كامل قضيته في العاصمة المؤقتة، بين مديريات المدينة: من الشيخ عثمان إلى كريتر، ومن الأخيرة إلى التواهي ومنها إلى المعلا والمنصورة، فدار سعد والبريقة وخور مكسر.
ثمان مديريات وضعتها نصب عيني خلال جولتي هناك، في محاولة لسبر أغوار هذه المنطقة وجغرافيتها المعقدة وموقعها الإستراتيجي المطل على ساحل خليج عدن وبحر العرب. وهو ما أكسبها أهمية بالغة، كونها تعتبر منطقة سياحية واقتصادية، وميناءً رئيساً يربط الطرق الملاحية والتجارية العالمية بين ثلاث قارات: آسيا وإفريقيا واوروبا.
لا يتوقف الأمر عند الموقع الجغرافي فحسب، بل يتعداه إلى المجتمع. ففي تلك البيئة الخصبة، يبرز الإنسان العدني طيباً وكرماً. التقيت بالكثير من أبناء هذه المدينة أثناء جولتي هناك، جلست مع بعضهم على أركان بعض الحافات وتبادلنا الأحاديث والروايات تناولنا قضايا سياسية واقتصادية وآخرى اجتماعية، أختلفنا في الإتجاهات وتناقضنا في المواقف، وتقبل كل منا رأي الأخر والذات الأخرى متجاوزين بذلك كل الخلافات الداخلية والإنقسامات السياسية،
فأهل هذة المحافظة لا يميزون بين إنسان وآخر سواءً كان شمالي أو جنوبي أو حتى كان من القارة السمراء، فكفة الميزان هنا هي"الضمير الإنساني".
عدن التي طالتها يد التدمير ولسان التشويه طيلة السنوات الماضية، في محاولة بائسة لطمس معالمها الإنسانية والحضارية، من إغتيالات الكوادر وأئمة المساجد، إلى نهب الأراضي ومصادرة الممتلكات، ومن الإحتجاز التعسفي إلى مداهمة المنازل، ومن إعتقالات الوقفات السلمية إلى قمع الأصوات الحرة. عشر سنوات سوداء في تاريخ المدينة البيضاء.
ومع هذا بقيت عدن أبية رغم محاولة الأعداء كسرها وإخضاعها بأساليبهم القذرة، ولكن مهما جمع لها حاسدوها والمتاجرون بترابها من أصوات مرتفعة ذات حنجرة واسعة، ومهما كتبت تلك الأقلام المأجورة من مدونات تدعو فيها إلى التفرقة والإنقسام فإن هذه المحافظة عصية على الأعداء، ومقاومة للإمبراطوريات بمختلف أسمائها وإنتمائها الجغرافي، منذ دخول الأحباش والفرس قبل الإسلام، مروراً بالبرتغاليين، والمماليك، والعثمانيين، والفرنسيين، والبريطانيين، وحتى الأحزاب المتأخرة في تاريخها الحديث. سجل أبطالها أروع الإنتصارات التاريخية في مقاومة الأعداء والعملاء معاً.
ستبقى عدن عصية على كل الأعداء وكاسرة معاقل الخونة العملاء . وسيظل أبناؤها يرفعون راية الحب السلام. سلام على قلوب تحررت من الأحقاد.