يعيش المواطن اليمني اليوم واحدة من أقسى المراحل الاقتصادية والمعيشية في تاريخه الحديث. فقد تراجعت قدرته الشرائية، وارتفعت الأسعار، وتدهورت الخدمات الأساسية، وتأخرت الرواتب، واتسعت دائرة الفقر والمعاناة. وفي خضم هذه الظروف الصعبة، يبرز ملف "الإعاشة" باعتباره أحد الملفات التي تكشف حجم الاختلالات في إدارة المال العام داخل منظومة الحكومة الشرعية خلال السنوات الماضية.
لم تعد القضية مجرد مخصصات مالية تصرف تحت مسميات مختلفة، بل أصبحت نموذجاً لأسئلة أكبر تتعلق بكيفية إدارة موارد الدولة، ومعايير الإنفاق العام، وأولويات السلطة في التعامل مع المال الذي يفترض أن يوجه لخدمة المواطنين وبناء مؤسسات الدولة.
ومن المهم هنا التمييز بين مفهوم الإعاشة كإجراء مالي قد تلجأ إليه الدولة في ظروف استثنائية لتنظيم بعض النفقات المرتبطة بمهام عامة، وبين تحولها إلى نمط إنفاق دائم يفتقر إلى الوضوح في المعايير والرقابة. فالإعاشة من الناحية السياسية والمالية والقانونية ليست مجرد مبلغ مالي، وإنما هي قرار يتعلق بإدارة المال العام، ومدى خضوعه لمبادئ الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة.
إن الحديث عن الإعاشة لا يرتبط فقط بشاغلي المناصب الحكومية الحالية، بل بما يتداول عن وجود كشوفات تضم شخصيات سياسية وإدارية وإعلامية واجتماعية، وقيادات من مستويات مختلفة، إضافة إلى مسؤولين ووزراء سابقين يقيم بعضهم خارج الوطن، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول استمرار صرف هذه المخصصات، رغم حصول بعض هذه الشخصيات على رواتب ومزايا وظيفية أخرى وبعملات صعبة.
وهنا يبرز السؤال المشروع:
هل ما زالت هذه المخصصات مرتبطة بحاجات وظيفية محددة فرضتها ظروف استثنائية، أم تحولت إلى امتيازات مالية مستمرة تحتاج إلى مراجعة شاملة؟
إن المال العام ليس مجالاً للمجاملة أو المحاباة، وإنما هو أمانة وطنية يجب أن يخضع لإطار قانوني واضح، ورقابة مالية مستقلة، ومعايير معلنة تضمن العدالة والكفاءة في الإنفاق.
لقد كان يمكن تفهم بعض الإجراءات المالية الاستثنائية في مراحل معينة بسبب ظروف الحرب وتعقيدات المرحلة، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تستمر هذه الإجراءات لسنوات دون تقييم واضح لمدى ضرورتها، ودون إعلان معايير الاستحقاق، ودون مراجعة دورية تضمن ارتباطها بالهدف الذي أنشئت من أجله.
إن أزمة الحكومة الشرعية خلال السنوات الماضية لم تكن فقط أزمة سياسية أو عسكرية، بل كانت أيضاً أزمة إدارة وحوكمة. فقد شهدت المرحلة توسعاً في المناصب والمخصصات والالتزامات المالية، في الوقت الذي تراجعت فيه قدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
فكيف يمكن تبرير استمرار أي إنفاق استثنائي في الوقت الذي تعاني فيه المحافظات الخاضعة للحكومة من أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، ويواجه المواطن صعوبة في توفير احتياجاته اليومية؟
إن السؤال الحقيقي ليس فقط:
من هم المستفيدون من الإعاشة؟
بل:
من قرر استمرار هذا الإنفاق؟ وما الأساس القانوني والإداري الذي يستند إليه؟ ومن يتحمل مسؤولية مراجعته والرقابة عليه؟
ففي الإدارة المالية الحديثة، لا يكفي أن يكون الإنفاق مصرحاً به إدارياً، بل يجب أن يحقق منفعة عامة واضحة، وأن يخضع لمبدأ الكفاءة الاقتصادية، وأن تتم مراجعته وفقاً لمتغيرات الواقع والقدرة المالية للدولة.
فالمال العام يخضع أيضاً لمبدأ تكلفة الفرصة البديلة؛ فكل مورد مالي يوجه إلى بند غير ذي أولوية يعني بالضرورة حرمان قطاعات أخرى من فرص تحسين الخدمات أو معالجة احتياجات المواطنين.
إن أخطر ما في الملف ليس فقط حجم المبالغ، بل استمرار نمط إنفاق يفتقر إلى الشفافية الكافية، ويزيد من الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويعزز الشعور بأن هناك اختلافاً كبيراً بين من يديرون الموارد ومن يتحملون نتائج الأزمة.
إن إصلاح هذا الملف يتطلب إجراءات واضحة:
- إعلان الأساس القانوني لجميع المخصصات المرتبطة بالإعاشة.
- إخضاعها للمراجعة المالية والقانونية المستقلة.
- تفعيل دور الأجهزة الرقابية والمحاسبية.
- نشر المعلومات المالية وفق مبادئ الشفافية.
- إعادة تقييم جميع أوجه الإنفاق الاستثنائي، وإلغاء كل مخصص لا يستند إلى سند قانوني واضح أو ضرورة وطنية مبررة.
فاستعادة ثقة المواطن لا تكون بالشعارات، وإنما بإدارة مسؤولة للمال العام، وربط السلطة بالمساءلة، وجعل احتياجات الناس الأساسية في مقدمة أولويات الدولة.
إن ملف الإعاشة ليس مجرد قضية مالية، بل هو انعكاس لأزمة أكبر في إدارة الدولة، وفي العلاقة بين المسؤول والمواطن، وبين السلطة والمسؤولية.
ويبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله:
من يحاسب المسؤولين عن إدارة المال العام عندما تتحول النفقات الاستثنائية إلى التزامات دائمة، بينما يدفع المواطن وحده ثمن الفشل الإداري والاقتصادي؟