قبل أيام كنتُ في مناسبة جمعتني بعدد ممن يعدّون أنفسهم من "النخبة اليمنية"، أي من مختلف مناطق اليمن المنقسم على نفسه أفقياً، وغير القادر على لملمة أوضاعه رأسياً. وكان الحديث عما يجري في مضيق هرمز وتداعياته، وضرورة الاستعداد لمواجهة ما بعد قضية رفض الشرعية اليمنية هبوط أي طيران إيراني في المطارات اليمنية الواقعة تحت سيطرة الحوثي.
في هذا اللقاء، خالفتُ ما طرحه ممثلو بعض المكونات الحزبية لتكتل الأحزاب (ضيوف الأمسية)، لا على قاعدة "خالف تُعرف"، ولكن استهجاناً للخطاب التبريري للحاق بالأحداث، لا الاستعداد لاستغلالها في معركتنا مع الهيمنة الفارسية على صنعاء، وتمكين الحوثي من دوره في تهديد الملاحة في الممر الأخطر على المصالح الدولية (أكثر من مضيق هرمز)، فضلاً عن المملكة العربية السعودية ومصر؛ لا لوجود قناة السويس شمال البحر الأحمر فحسب، بل ولِدور الدولتين الأكبر في الأمن القومي العربي بكل أبعاده السياسية، والاقتصادية، والأمنية.
وهي في مجملها لا تتفق مع أهداف الحرب الأمريكية لتطويع إيران في مشروع "الشرق الأوسط - اليمنية"، المتصادم مع "شرق أوسط عربي - إسلامي" (وفق قراءتي)، رفضاً للتبريرات وحتميةً للاستعداد لمعركة تحرير اليمن من رأس الجسر الفارسي، الأمر الذي يتطلب ألا تكون الشرعية اليمنية مجرد صدى لشركاء الجغرافيا والمصير.
وتساءلتُ: ما هي رؤية التكتل السياسي للأحزاب المشاركة لدور الشرعية واستعدادها على الأرض لمغادرة دور التبرير إلى دور المشاركة في معركة التحرير، واستفادتها من شراكتها الوظيفية في حكومة التوافق على مدى السنوات العشر الماضية؟ لكنني لم أجد جواباً غير أن: "المعركة قادمة!!".
غادرتُ تلك الجلسة وأنا أشعر أن المعركة حتمية، ولكن دون رؤية حزبية -وربما قيادية- في الوقت الذي تتسارع فيه الأحداث. وفي أقل من أسبوع على ذلك اللقاء اليمني، أعلن الحوثي سيطرته على مضيق باب المندب، بل وجنوب البحر الأحمر، ثم حدد ذلك بمنع السفن السعودية ذهاباً وإياداً، ليتصدر إعلانه الفضائيات العربية والأجنبية، ويتبارى رؤساء الدول الكبرى والصغرى لإعلان مواقفهم إلى جانب السعودية، وكأن الأمر لا يتعلق بمستقبل التجارة الدولية والتدفقات النفطية إلى ماكينات الاقتصاد الدولي، بل بالمملكة فحسب!
الكل يعرف أن السعودية تمتلك من القوة العسكرية والاقتصادية والالتفاف الشعبي حول قيادتها ما يعفي تلك الدول من إعلان مواقفها الدبلوماسية والإعلامية، والتي يُفترض بها أن تتحمل مسؤوليات أكثر فاعلية في مواجهة الخطر الإيراني في أهم أنبوب نفط إلى الغرب الأوروبي، وأهم الممرات لتجارة الغرب مع الشرق والعكس (البحر الأحمر). وهذا يتطلب مؤتمراً دولياً استثنائياً لتحرير جنوب البحر الأحمر باليمنيين، وتعزيز دور المملكة العربية السعودية في إدارة القضية اليمنية، فضلاً عن إدارة أهم مناطق العالم (الخليج بضفتيه والجزيرة العربية)، لا اللعب على الحبال الرخوة -كما يقول المثل الحضرمي-.
وبالتالي، على القيادة الرئاسية اليمنية تغيير استراتيجياتها باتجاه صنعاء عسكرياً؛ فالمعارك المصيرية لا تُخاض بالبيانات وصيحات "النَّكَف" القبلي، أو إشغال المجتمعات بطفح المكونات الاجتماعية، وآخرها "تقليعة لجان التنسيق التي انطلقت في حضرموت" للالتفاف على مطالب الحضارم بحكم ذاتي، وغيرها من مناطق اليمن، امتداداً للتكتل السياسي الحزبي غير ذي الفاعلية على الأرض.
يحدث هذا في الوقت الذي يتطلب فيه الوضع التوجهَ نحو توحيد القوى العسكرية في جيش وطني يدعمه التحالف العربي ولا يكون بديلاً عنه في هذه المرحلة، لكي لا تضيع الفرص على الجميع.