في بعض الأوطان لا تُقاس قيمة الأرض بما تحمله من تاريخ، ولا بما يسكنها من بشر، بل بما تدرّه من مناصب وامتيازات. يصبح الوطن عند الفاسد غنيمةً تُوزَّع، وتتحول مؤسسات الدولة إلى مائدةٍ يتزاحم عليها المنتفعون، بينما يُترك الشعب واقفاً خارج الباب، ينتظر فتات الوعود.
وحين يختزل بعضهم الانتماء في الحزب، تصبح الوطنية بطاقة عبور إلى المنصب، لا عهداً بخدمة الناس. عندها تُصبح الكفاءة آخر ما يُنظر إليه، وتسبقها القرابة والولاءات والمصالح، حتى يغدو الوطن في نظرهم شركةً خاصة، لا وطناً يتساوى فيه الجميع.
المفارقة المؤلمة أن الخطابات تفيض بحب الوطن، لكن المواطن يفتش عن هذا الحب في حياته اليومية فلا يجده. يسمع عن الإنجازات، بينما يلامس الأزمات. يسمع عن التنمية، بينما يرى واقعه يزداد قسوة. يسمع عن خدمة الشعب، بينما يشعر أن الشعب هو آخر من تصل إليه ثمار السلطة.
أما الحرّ الشريف، فلا يحتاج إلى مكبرات الصوت ليُثبت وطنيته، ولا إلى لافتاتٍ عريضة يرفعها أمام الكاميرات. وطنيته تُقاس بما يقدمه من عملٍ صادق، وبما يخففه من معاناة الناس، وبقدر ما يجعل المصلحة العامة فوق أي منفعةٍ شخصية أو حزبية. فهو يدرك أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن السلطة مسؤولية لا غنيمة.
المأساة ليست في وجود الفساد وحده، بل في محاولات تجميله، وتسويقه على أنه إنجاز، وتقديمه للناس بعباراتٍ براقة تخفي واقعاً مثقلاً بالأوجاع. فالفساد لا يبني وطناً، مهما ارتدى من شعارات، ولا تصنع الأوطانُ بالخطب، بل بالعدالة، وسيادة القانون، ونزاهة الإدارة، واحترام الإنسان.
سيبقى الفرق شاسعاً بين من يرى الوطن خزنةً يفتحها كل صباح، وبين من يراه أمانةً يحملها على كتفيه. الأول يرحل وقد أثقل صفحات التاريخ بالمصالح، والثاني يرحل وقد ترك في قلوب الناس أثراً طيباً. فالأوطان لا تنهار يوم يقلُّ المال، وإنما يوم يصبح الضمير أرخص من المنصب، وتُقدَّم الغنيمة على الأمانة.
وعندما يُصبح الوطن وسيلةً للإثراء بدل أن يكون رسالةً للعطاء، فلا عجب أن يزداد وجع الناس، وأن يطول انتظارهم لوطنٍ يحكمه الشرف، لا الصفقات؛ والضمير، لا المصالح.