لا تشيخ الثورات بمرور الزمان عليها، بل تشيخ حين تفقد قدرتها على إقناع الأجيال بأنها كانت ضرورةً حتمية لصناعة التاريخ ومستقبل الامم. وتلقي المقدمة على قصرها بظلال وارفة من الاسئلة المتوالدة من بعضها، لمعرفة اسباب مروق الذكرى الرابعة والسبعين لثورة يوليو المجيدة من الذاكرة العربية مرور الكرام، دونما التفاتة تذكر لهذا المناسبة القومية العظيمة التي ايقظت العرب من سبات، ومكنتهم من الدخول بنسب متفاوتة لحياة العصر، بعد التراجع الملحوظ في منسوب ارتباطهم بها عاما بعد عام، حتى الوصول بها لدرجة القطيعة، وقلب مجن الشعوب عليها.
وعشية حلول ذكراها، يتبادر الى الذهن سؤال جوهري محاط بالاجابة، ما الذي تبقى من ذكرى ثورة يوليو في مخيلة فلاح مصري؟ بل في مخيلة امة باكملها تمتد من المحيط الى الخليج؟ وهل بالامكان قياس حجم ضجيج الأزمات اللاحقة على الثورة التي حجبت كثيرًا من ملامحها، حتى خُيّل للبعض أن الحلم الذي حملته قد انطفأ إلى الأبد في حياة الأجيال، بعدما أثقلته حسابات السياسة، وأرهقته صراعات السلطة، حتى اختلطت الفكرة بأصحابها، وأصبح التاريخ يدين المشروع بأخطاء الذين تحدثوا باسمه، لا بروحه.
لقد جاءت ثورة يوليو في زمن كانت فيه الأمة العربية تبحث عن ذاتها، فرفعت رايات التحرر، وأعادت الاعتبار لفكرة السيادة الوطنية، وأطلقت مشروعًا نهضويًا تجاوز حدود الدولة إلى فضاء الأمة بأسرها. لم تكن مجرد تغيير في السلطة، بل كانت إعلانًا عن ميلاد مرحلة جديدة آمنت بأن الإنسان العربي يستحق الحرية والكرامة والتعليم والتنمية، وأن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا باستقلال الإرادة وبناء الدولة الحديثة.
غير أن مسيرة الثورات لا تسير دائمًا في الطريق الذي رسمته أحلامها الأولى. فقد تعاقبت على المنطقة أحداث وتحولات أفرغت كثيرًا من الشعارات من مضمونها، واختلطت المبادئ بالممارسات، حتى صار الحكم على الثورة عند البعض مرهونًا بما انتهت إليه بعض الأنظمة، لا بما حملته من قيم وما أحدثته من أثر في تاريخ العرب الحديث.
ولعل أكبر ما أصاب المشروع العربي هو انتقال عدد من الجمهوريات من فكرة الدولة الوطنية إلى دوائر النفوذ الضيقة، حيث تقدمت المصالح الخاصة على المصلحة العامة، وتراجعت قيم المشاركة والعدالة، فانحسر الحلم القومي تحت وطأة الانقسامات والصراعات، وفقد المواطن العربي ثقته بإمكان استعادة ذلك الأفق الذي بشرت به الثورات في بداياتها.
وفي قلب تلك المرحلة، برز الزعيم الخالد، جمال عبد الناصر، بوصفه أحد أكثر الشخصيات العربية تأثيرًا في القرن العشرين. فقد رأى فيه الملايين قائدًا جسّد طموحاتهم في التحرر والوحدة والكرامة، واختلف الناس في تقييم تجربته، لكنهم اتفقوا على أن حضوره تجاوز حدود مصر، ليصبح عنوانًا لمرحلة كاملة من التاريخ العربي، ما تزال آثارها السياسية والفكرية حاضرة حتى اليوم.
ويبقى السؤال الذي تفرضه الذكرى في كل عام: هل مات حلم يوليو، أم أن الذي مات هو الإيمان بالمشروع العربي الجامع؟ إن الأحلام الكبرى لا تموت بموت أصحابها، ولا تتلاشى بتعثر تجاربها، وإنما تنتظر جيلاً جديدًا يقرأ التاريخ بعينٍ ناقدة، فيستفيد من النجاحات، ويتجنب الأخطاء، ويعيد صياغة المستقبل بروح العصر.
إن ثورة يوليو ليست معصومة من النقد، كما أنها ليست صفحة يمكن طيها بسهولة. إنها تجربة صنعت مجدًا، وواجهت إخفاقات، وتركت إرثًا سيظل حاضرًا في كل نقاش يتناول الحرية، والسيادة، والعدالة الاجتماعية، ووحدة المصير العربي. ولذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يموت الحلم؟ أم أن الأمم لا تفقد أحلامها إلا حين تكف عن الإيمان بقدرتها على النهوض من جديد؟
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا بقي من ثورة يوليو؟ بل: ماذا بقي من الحلم العربي الذي حملته؟ وهل كانت الهزائم نتيجة الفكرة، أم نتيجة الابتعاد عنها، وتحويل الدولة من مشروع أمة إلى مشروع سلطة؟.