آخر تحديث :الأربعاء-22 يوليو 2026-11:21م

مونديال أمريكا الشمالية بطولة بلا بصمة حقيقية على مسار كرة القدم العالمية

الأربعاء - 22 يوليو 2026 - الساعة 09:00 م
محمد سعيد كلشات


إن المتأمل للحدث الكروي الأبرز الذي استضافته قارة أمريكا الشمالية مؤخراً (كندا والمكسيك والولايات المتحدة) يدرك تماماً أن توسيع قاعدة المشاركة لتصل إلى 48 منتخباً لم يكن سوى واجهة براقة أخفت خلفها أزمات هيكلية عميقة. لقد كشفت هذه النسخة عن هشاشة تنظيمية وفجوات تحكيمية وفكرية جعلت الكثيرين يصفونها بواحدة من أسوأ المحطات في تاريخ المونديال، بعيداً عن صخب الاحتفالات وجشع التسويق الرياضي.


أولاً: خيبة المنتخبات العربية وتراجع الحضور الفني

جاءت مشاركة بعض المنتخبات العربية مخيبة للآمال بشكل كبير، متجاوزة حدود الخروج المبكر إلى غياب الهوية الفنية المطلوبة. فعلى الرغم من الآمال الكبيرة المعقودة على تمثيل يليق بمكانة هذه البلدان وتطلعات جماهيرها، إلا أن الأداء اتسم بالعشوائية وغياب التخطيط الاستراتيجي، مما أثار علامات استفهام كبرى حول أسباب هذا التراجع المستمر في المحافل الدولية وغياب القدرة على مجاراة نسق المنافسة العالي، باستثناء منتخب المغرب ومصر.


ثانياً: أزمة التوقيت وجدولة المباريات

شكلت المواعيد الزمنية للمباريات عائقاً رئيسياً أمام قطاع واسع من جماهير الشرق الأوسط. فقد أقيمت العديد من اللقاءات الحاسمة في أوقات متأخرة جداً بعد منتصف الليل (الساعة الثانية والثالثة فجراً)، الأمر الذي أضعف نسب المتابعة وأفقد البطولة جزءاً كبيراً من ألقها وتشويقها. ووجد المشجع نفسه بين مطرقة الشغف الرياضي وسندان الالتزامات العملية واليومية الصباحية.


ثالثاً: عشوائية القوانين وسقوط منظومة التحكيم

برزت التعديلات القانونية المستحدثة من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) وكأنها طبقت بلا معايير واضحة أو منضبطة. فقد شهدت هذه النسخة اختلالات في تطبيق اللوائح، تخللته شبهات تمييز وازدواجية في التعامل مع بعض المنتخبات والكوادر، ليصل الأمر إلى أسوأ مستويات التحكيم عبر التاريخ الحديث للبطولة. كما فشل نظام تقنية الفيديو المساعد (VAR) في تحقيق العدالة المرجوة، وتحول في كثير من الأحيان إلى أداة تزيد من الارتباك والجدل بدلاً من حسمه.


رابعاً: ازدواجية المعايير والرسائل السياسية

شهد المونديال حضوراً طاغياً للأبعاد السياسية والتداخلات الفكرية في الملاعب، سواء عبر مواقف بعض اللاعبين والطواقم أو من خلال القرارات الإدارية المبطنة.

ظهرت بوضوح ممارسات عنصرية وحالات استهداف مقصودة لبعض الكوادر (مثل منع الحكم الصومالي) واللاعبين بدوافع سياسية وإعلامية ممنهجة، وسط صمت مطبق من الجهات المنظمة.

في المقابل، نجحت الجماهير والجاليات العربية وغير العربية في استثمار هذا التجمع العالمي لإيصال رسائل إنسانية سامية ترفض الظلم، وتدعم القضية الفلسطينية، وتواجه ظاهرة الإسلاموفوبيا رغم كل القيود والعراقيل المفروضة.


لم تقدم هذه النسخة المونديالية مكاسب حقيقية لكرة القدم، بل انحصر حصادها الحقيقي في تعرية الفيفا وإثبات عجز الهياكل الإدارية عن إدارة بطولة بهذا الحجم الموسع. إن الإخفاقات المتراكمة في تطبيق الأنظمة، وغياب النزاهة التحكيمية، وتسييس الملاعب، أسقطت القناع عن الوجه التجاري البحت للمؤسسة الدولية، تاركةً خلفها إرثاً من خيبة الأمل وعلامات الاستفهام الكبرى حول مستقبل اللعبة الأولى في العالم.