زرت مصر، وعاصمتها القاهرة، فانبهر عقلي بجمالها، ونظامها، وضجيجها الذي يشبه الحياة حين تكون في كامل عافيتها. ثم تذكرت اليمن، ليس لأنني أردت المقارنة، بل لأن القلب لا يستطيع أن يرى النور دون أن يستحضر وجعه.
رأيت بنيةً تحتيةً ضخمة، وطرقًا معبدة، وكباريَ معلقة، ومترو أنفاق يخترق باطن الأرض، ومونوريل يمتد فوق المدن، وشبكة قطارات تربط المحافظات. رأيت الكهرباء متوفرة على مدار الساعة، والغاز المنزلي يصل إلى البيوت، والمياه تتدفق من الصنابير دون انقطاع، وخدماتٍ أصبحت جزءًا طبيعيًا من حياة الناس.
عندها أدركت حجم الفارق بين بلدين شقيقين؛ أحدهما ينشغل ببناء المستقبل، والآخر ما زال يحاول النجاة من آثار الحرب.
ثم تذكرت اليمن. تذكرت الكثير من المدارس المتوقفة، والمشاريع المعطلة، والكهرباء الغائبة، والطرق الوعرة، والحفر التي تملأ الشوارع، والحوادث اليومية التي أصبحت جزءًا من المشهد المعتاد. وتذكرت شعبًا أنهكته الحرب، وأحلامًا ما زالت تنتظر أن تتحول إلى واقع.
ليس الهدف من هذه المقارنة التقليل من شأن وطننا الحبيب، وإنما أن ندرك حجم ما خسرناه، وأن نؤمن بأن اليمن يستحق أن يعود وطنًا للحياة لا ساحةً للصراعات، وأن يعيش أبناؤه ما تعيشه بقية الشعوب من أمنٍ واستقرارٍ وتنمية.
اليمن ليست أقل شأنًا من غيرها، لكنها وطن أثقلته الحروب والخذلان، فكُسر جناحه، تمامًا كوجوهنا التي شاخت قبل أوانها، وامتلأت بالتجاعيد ونحن ما زلنا في ريعان الشباب.
في القاهرة شعرت كيف يكون للإنسان وطنٌ يحتضنه، وفي اليمن تعلمنا كيف يحتضن المواطن وطنه وهو ينزف.
لا أكتب هذا انتقاصًا من وطني الجريح، ولا مبالغةً في مدح مصر، بل هو وجع يكتبه يمني رأى كيف يمكن للحياة أن تكون، ثم تذكر كيف أصبحت في بلد أنهكته الحروب والانقسامات.
رسالتي إلى كل مسؤول وقائد في اليمن يستطيع أن يصنع الفرق: كفى... لقد دفع هذا الشعب من عمره، وأحلامه، وكرامته ما يكفي. إلى متى سيبقى اليمنيون أسرى للصراعات، بينما تتقدم الأمم من حولهم؟ لا تجعلوا أبناء هذا الوطن يبحثون عن مستقبلهم في أوطان الآخرين، بينما وطنهم أولى بأن يكون موطنًا للحياة، لا سببًا للهجرة والمعاناة.
ومع ذلك، سيظل اليمن في القلب، ليس لأنه الأجمل اليوم، بل لأنه الأقرب إلى الروح، والأصدق ألمًا، والأعظم أملًا في أن ينهض من جديد.