آخر تحديث :الأربعاء-22 يوليو 2026-11:21م

من حقي أن أعيش... قبل أن أُجبر على حمل كفني

الأربعاء - 22 يوليو 2026 - الساعة 07:32 م
أحمد عوض العمودي


في الأوطان المستقرة، يتنافس الشباب على الوظائف، ويخططون لمشاريعهم، ويرسمون مستقبل أسرهم. أما في الأوطان التي أنهكتها الحروب والأزمات، فإن الشاب يقف كل صباح أمام سؤالٍ أكثر قسوة: كيف سأعيش؟

لم يعد الحلم بسيارة أو منزل أو وظيفة مرموقة، بل أصبح الحلم يختصر في فرصة عمل تحفظ الكرامة، وراتب يكفي لسد رمق أسرة، ووطن يمنح أبناءه سبباً للبقاء لا سبباً للرحيل.

سنوات طويلة مرت، والشباب هم الخاسر الأكبر. أنهوا دراستهم ليصطدموا بجدار البطالة، واكتسبوا المهارات ليجدوا الأبواب مغلقة، وأصبحوا يشاهدون أعمارهم تمضي بينما الفرص تتلاشى، حتى بات كثير منهم يشعر أن مستقبله يُختزل في خيارين أحلاهما مرّ: البطالة أو ساحات القتال.

ولنكن منصفين... لسنا هنا لننتقص من الرجال الذين حملوا السلاح دفاعًا عن الدين والأرض والعرض، أو الذين لبّوا نداء الواجب في أشد الظروف. أولئك ضحوا بأرواحهم وقدموا ما عجز عنه كثيرون، وسيبقون محل تقدير واحترام وفخر، فهم تاج على رؤوسنا. بل إن حمل السلاح دفاعاً عن الوطن عند الحاجة شرف لا ينكره أحد.

لكن، هل يُعقل أن يصبح حمل السلاح هو الفرصة الوحيدة أمام آلاف الشباب؟ وهل يُعقل أن تتحول البطالة إلى بوابة تدفع الشاب نحو الجبهة، لا لأنه اختارها بحرية، بل لأن الحياة ضاقت به حتى لم يجد باباً آخر يطرقه؟

إن الشعوب لا تُقاس بعدد البنادق التي تحملها، بل بعدد الجامعات التي تبنيها، والمصانع التي تشغل أبناءها، والمزارع التي تنتج، والمشاريع التي تخلق الأمل. فكل فرصة عمل تُمنح لشاب هي انتصار للوطن، وكل مشروع تنموي هو خط دفاع يحمي المجتمع من اليأس والفقر والتطرف.

لقد تعب الناس من انتظار الفرج، وتعب الشباب من سماع الوعود. يريدون أن يعيشوا حياةً طبيعية، أن يستيقظوا على موعد عمل لا على خبر أزمة جديدة، وأن يفكروا في بناء مستقبلهم بدلاً من التفكير في كيفية النجاة من واقع يزداد قسوة يومًا بعد آخر.

ليس من العدل أن يُولد الشاب وهو يحمل على كتفيه أعباء الحروب، ثم يُطلب منه أن يدفع ثمن الأزمات التي لم يصنعها. وليس من الإنصاف أن يبقى حقه في الحياة الكريمة مؤجلاً إلى أجلٍ غير معلوم.

إن الأوطان لا تحتاج فقط إلى من يحرس حدودها، بل تحتاج أيضاً إلى من يبني مدارسها، ويشغّل مصانعها، ويعالج مرضاها، ويزرع أرضها، ويصنع اقتصادها. فالقوة ليست في البندقية وحدها، بل في اليد التي تعمل، والعقل الذي يبدع، والفرصة التي تصنع إنساناً منتجاً.

ختاماً... ليست هذه صرخة يأس، ولا دعوة للتخلي عن الواجب الوطني، بل هي مطالبة بحق أصيل كفلته الفطرة قبل أن تكفله القوانين:

من حقي أن أعيش... وأن أعمل... وأن أحلم... وأن أرى وطني يمنح أبناءه مستقبلاً يليق بتضحياتهم، لا أن يضعهم كل يوم أمام الاختيار بين الجوع أو حمل الكفن.