في الإدارة العامة، لا يُقاس نجاح المسؤول بعدد القرارات التي يصدرها، ولا بحجم ظهوره في وسائل الإعلام، وإنما بما يتركه من أثرٍ مؤسسي يبقى بعده. فالقائد الحقيقي هو من يبني منظومة قادرة على الاستمرار، لا منظومة تتوقف على وجوده.
ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة الأستاذ عبدالحكيم القباطي، رئيس مصلحة الجمارك، نموذجاً لقيادة اختارت العمل بصمت، وجعلت من البناء المؤسسي أولوية تتقدم على كل شيء.
حين تولى قيادة مصلحة الجمارك، كانت المؤسسة تواجه تحديات كبيرة فرضتها الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. إلا أن الرهان لم يكن على الحلول المؤقتة، بل على إعادة بناء المؤسسة من الداخل، بدءاً بالإنسان، مروراً بالإدارة، وانتهاءً بتطوير الأداء في المنافذ الجمركية البرية والبحرية والجوية.
لقد أدرك القباطي أن الموظف المؤهل هو حجر الأساس لأي نجاح، فكان إنشاء مركز التدريب الجمركي خطوة استراتيجية لإعداد كوادر تمتلك المعرفة والخبرة، من خلال برامج تدريبية داخلية وخارجية أسهمت في رفع كفاءة العاملين، وتعزيز قدراتهم المهنية لمواكبة التطورات في العمل الجمركي.
كما شهدت المصلحة نقلة تنظيمية واضحة، من خلال تطوير الإجراءات الإدارية، وتعزيز الانضباط، وإرساء أسس أكثر وضوحاً في الأداء، بما انعكس على تحسين بيئة العمل ورفع مستوى الإنتاجية، واستعادة مكانة الجمارك وهيبتها كمؤسسة سيادية تؤدي دوراً اقتصادياً وأمنياً مهماً.
ولم يكن الانفتاح على التجارب والخبرات الدولية أقل أهمية، إذ حرصت قيادة المصلحة على توسيع المشاركة في البرامج والفعاليات الإقليمية والدولية، بما أسهم في نقل الخبرات وتطوير الكادر الوطني، وتعزيز حضور مصلحة الجمارك في المحافل المتخصصة.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه البعض بالأشخاص، تؤكد التجارب الناجحة أن المؤسسات القوية تُبنى بالأنظمة، وبالتأهيل، وبالعمل المتواصل، لا بالقرارات العابرة. والقيمة الحقيقية لأي مسؤول تكمن في قدرته على تأسيس عمل يستمر ويحقق أهدافه حتى في غيابه.
إن بناء المؤسسات هو الاستثمار الأكثر قيمة في مستقبل الدولة، لأنه يصنع الاستقرار ويضمن استدامة الإنجاز. وعندما تتوافر قيادة تمتلك رؤية واضحة وإرادة للتطوير، فإن النتائج لا تنعكس على المؤسسة وحدها، بل تمتد آثارها إلى خدمة الاقتصاد الوطني وتعزيز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة.
ولذلك، فإن تكريم القيادات التي تنجح في ترسيخ العمل المؤسسي ليس احتفاءً بالأشخاص، بقدر ما هو احتفاء بثقافة البناء والإصلاح، وترسيخ لقناعة أن الأوطان لا تنهض إلا بمؤسسات قوية، وقادة يؤمنون بأن الإنجاز الحقيقي هو ما يبقى بعد انتهاء المهمة.
