هل تستطيع الشرعية اليمنية المعترف بها دولياً أن تجعل من المناطق التي تديرها نموذجاً حقيقياً للدولة قبل الحديث عن استعادة كامل الجغرافيا؟
فالمعركة الحقيقية لا تبدأ فقط من الجبهات، بل تبدأ من قدرة الدولة على إثبات وجودها في حياة الناس. فعندما يرى المواطن دولة توفر الخدمات، وتحمي الحقوق، وتبني المؤسسات، يصبح هذا النموذج أقوى من أي مشروع يقوم على القوة أو فرض الأمر الواقع.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن استعادة الأرض وحدها لا تكفي. فالأرض تحتاج إلى دولة تديرها، ومؤسسات تحميها، واقتصاد يخدم أبناءها. أما الجغرافيا من دون دولة قوية فقد تبقى مجرد مساحة جديدة للصراع.
واليمن لا يعاني من نقص الموارد، بل من ضعف إدارتها وتراجع مؤسسات الدولة. فهو يمتلك النفط والغاز، والموانئ، وموقعاً استراتيجياً مهماً، وثروات زراعية وسمكية، لكنه لم ينجح حتى اليوم في تحويل هذه الإمكانات إلى تنمية يشعر بها المواطن.
ومن هنا يبرز السؤال: هل تستطيع الشرعية أن تجعل من المناطق الواقعة تحت إدارتها صورة للدولة التي يتطلع إليها اليمنيون؟
فالمواطن لا يحكم بالشعارات، بل بما يلمسه في حياته اليومية. هل يتقاضى راتبه بانتظام؟ هل يجد الكهرباء والمياه؟ هل يحصل على خدمات صحية وتعليمية لائقة؟ وهل يشعر بالأمن وسيادة القانون؟
ويأتي استئناف تصدير النفط، بعد سنوات من توقفه نتيجة الهجمات التي استهدفت موانئ التصدير، كفرصة مهمة لاستعادة أحد أهم الموارد السيادية للدولة. غير أن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بعودة الصادرات وحدها، بل بقدرة الدولة على توظيف عائداتها في تحسين حياة المواطنين، وصرف المرتبات، وتعزيز الخدمات، وتحريك عجلة التنمية.
لقد أثبتت الحرب أن استهداف المنشآت النفطية وتعطيل تصدير النفط لم يكن مجرد خسارة اقتصادية، بل كان محاولة لإضعاف الدولة وحرمانها من أهم مصادر تمويلها، بما ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
لكن امتلاك النفط والموانئ وحده لا يصنع دولة. فالدول تُبنى بالإدارة الرشيدة، والشفافية، وسيادة القانون، ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد وتحويلها إلى مشاريع تنموية وفرص عمل.
ويمتلك اليمن موقعاً استراتيجياً استثنائياً على باب المندب، إلى جانب ثروات طبيعية وبحرية كبيرة، وهي مقومات قادرة على إحداث نهضة اقتصادية حقيقية إذا وجدت دولة مستقرة تمتلك رؤية واضحة لإدارة هذه الإمكانات.
إن مواجهة مشروع الحوثي لا تكون بالسلاح وحده، بل ببناء نموذج دولة ناجح. فعندما يرى المواطن أن الدولة توفر له الأمن والخدمات والعدالة وفرص الحياة الكريمة، يصبح مشروع الدولة أكثر إقناعاً من أي مشروع يقوم على الهيمنة أو القوة.
ولهذا، فإن المناطق الواقعة تحت إدارة الشرعية يجب ألا تكون مجرد مناطق آمنة أو جبهات انتظار، بل يجب أن تتحول إلى نموذج عملي للدولة التي ينشدها اليمنيون؛ دولة مؤسسات، وقانون، وتنمية، ومواطنة متساوية.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تستطيع الشرعية تحويل ما تملكه من موارد، ودعم سياسي، ومناطق تحت إدارتها إلى مشروع دولة حقيقي يستعيد ثقة المواطن قبل أن يستعيد بقية الجغرافيا؟
فاليمن لا يحتاج فقط إلى استعادة الأرض، بل يحتاج أولاً إلى استعادة الدولة.
لأن الجغرافيا قد تُستعاد بالقوة، أما الدولة فلا تُبنى إلا بالثقة، والإنجاز، ومؤسسات تعمل من أجل المواطن.