آخر تحديث :الثلاثاء-21 يوليو 2026-11:56م

القاتُ.. سَمٌّ بهِ وطنُ الأَحرارِ يقتاتُ!

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - الساعة 02:35 م
احمد محمود السلامي


يصعب الحديث عن نهضة اليمن ومستقبله من دون التوقف أمام أخطر معضلة اجتماعية واقتصادية وصحية رافقت المجتمع لعقود طويلة، وهي القات. فقد تجاوز كونه عادة اجتماعية ليصبح عبئاً يستهلك الوقت والمال، ويستنزف طاقات ملايين اليمنيين، ويترك آثاره على الأسرة والاقتصاد والإنتاج.

ولا يختلف كثيرون على أن الإفراط في تعاطي القات يرتبط بآثار صحية ونفسية خطيرة، منها اضطرابات الجهاز الهضمي وأمراض الكبد والكلى واللثة، إضافة إلى الأرق والإجهاد وتسارع ضربات القلب وضعف التركيز. وما يمنحه للمتعاطي من شعور مؤقت بالنشاط وتحسن المزاج ليس سوى حالة عابرة سرعان ما تزول، ليعود بعدها إلى الإرهاق والرغبة في تكرار التجربة، في دائرة يصعب كسرها.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن القات عُرف في اليمن منذ القرن الثالث عشر الميلادي، ثم توسعت زراعته مع الزمن، ولا سيما بعد أن دفعت الظروف الاقتصادية كثيراً من المزارعين إلى استبدال محاصيلهم به لما يحققه من ربح سريع، حتى تراجعت زراعة البن والمحاصيل الغذائية في مناطق عديدة.

وفي عدن، ازدهرت تجارة القات خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وانتشرت أسواقه ومجالسه، الأمر الذي دفع السلطات إلى إصدار أول قرار موثق بمنع بيعه داخل المستعمرة عام 1957 بسبب آثاره الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن القرار لم يحقق أهدافه وأُلغي بعد عام. وبعد الاستقلال بسنوات صدر في عدن قانون عام 1976 حدد تعاطيه ايام الخميس والجمعة والعطل الرسمية فقط ، وطُبق بصرامة وأسهم في الحد من الظاهرة، قبل أن يُلغى في مارس عام 1990، لتعود الأمور إلى ما كانت عليه، بل ويتسلل القات إلى كثير من المرافق الحكومية وأماكن العمل المدني والامني والعسكري .

لقد أثبتت التجربة أن المنع وحده لا يكفي، فنجاح أي قانون مرتبط بقناعة المجتمع واستعداده للتغيير. كما أن مطالبة الناس بترك القات دون توفير بدائل عملية ليست وصفة واقعية.

إن المعركة الحقيقية تبدأ بالتنمية، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، وتشجيع الأنشطة الثقافية والرياضية، ودعم المزارعين للعودة إلى زراعة البن والمحاصيل الغذائية. فعندما ينشغل الإنسان بعمل منتج وحياة مستقرة، يصبح التخلي عن القات خياراً ممكناً لا قراراً مفروضاً.

إن اليمن لن ينتصر على هذه الآفة بالقوانين وحدها، بل بإرادة المجتمع، ودولة قوية يسودها العدل والنظام، ومشروع تنموي يعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، ويحرره من عادة استنزفت عمره ووطنه.