جاء خطاب فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي في توقيت بالغ الحساسية، ليؤكد أن الدولة اليمنية تمتلك رؤية واضحة لمواجهة أخطر مرحلة تمر بها البلاد، ويعيد توجيه بوصلة الصراع إلى حقيقتها؛ فالمعركة ليست مجرد مواجهة عسكرية مع جماعة انقلابية، وإنما مع مشروع إيراني يسعى إلى إبقاء اليمن ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، ومنصة لتهديد أمن المنطقة والملاحة الدولية.
لقد جاءت التهديدات الحوثية الأخيرة ضد المملكة العربية السعودية، وإعلانها توسيع دائرة استهداف الملاحة وصادرات النفط، لتقدم الدليل العملي على صحة ما طرحه الرئيس. فهذه التهديدات لا تخدم اليمنيين، ولا تحقق لهم أمنًا أو استقرارًا أو تنمية، وإنما تؤكد مرة أخرى أن قرار المليشيا لم يعد قرارًا يمنيًا مستقلًا، بل أصبح جزءًا من حسابات المشروع الإيراني في المنطقة.
و تميز خطاب الرئيس العليمي بأنه تجاوز الشعارات السياسية، ووضع اليمنيين أمام حقيقة الأزمة، حين أكد أن معاناتهم لم تكن نتيجة ما تروج له المليشيا من مزاعم "الحصار"، وإنما نتيجة مباشرة للانقلاب على الدولة، وتعطيل مؤسساتها، ونهب مواردها، وتدمير الاقتصاد الوطني، وتحويل مقدرات البلاد إلى وقود لحرب لا تخدم سوى أجندات خارجية.
كما حمل الخطاب رسالة أمل حقيقية بإعلان المضي في استئناف تصدير النفط، وهي خطوة استراتيجية تمثل بداية استعادة الموارد السيادية للدولة، وتمكينها من الإيفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين، وفي مقدمتها صرف المرتبات، وتحسين الخدمات الأساسية، وتخفيف الأعباء الاقتصادية التي أثقلت كاهل اليمنيين. فاستعادة الموارد ليست مجرد إنجاز اقتصادي، بل هي خطوة في طريق استعادة الدولة نفسها.
وفي المقابل، تدرك المليشيا الحوثية أن تعافي الدولة اقتصاديًا يعني بداية انهيار مشروعها، ولذلك تواصل استهداف المنشآت النفطية وتهديد الملاحة الدولية، لأنها لا تستطيع البقاء إلا في ظل الفوضى، ولا يمكن لمشروعها أن يستمر في ظل دولة قوية تمتلك مواردها ومؤسساتها.
غير أن نجاح مشروع الدولة لا يعتمد على الخطاب السياسي وحده، مهما بلغت أهميته، بل يحتاج إلى ترجمة عملية على الأرض. ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تفرض على مجلس القيادة الرئاسي، ورئيس الحكومة، وجميع مسؤولي الدولة المقيمين في الخارج، أن يعودوا إلى الداخل اليمني، وأن يجعلوا من المحافظات المحررة مركزًا دائمًا لإدارة الدولة وقيادة معركة التحرير. فالدول تُدار من داخل أوطانها، والقيادات تستمد قوتها من وجودها بين شعبها، ومشاركة المواطنين تحدياتهم، والإشراف المباشر على مؤسسات الدولة، وقيادة معركة استعادة صنعاء من الميدان حتى يكتمل بسط سلطة الدولة على كامل التراب اليمني.
إن هذه المرحلة تتطلب قيادة حاضرة على الأرض، ومؤسسات فاعلة، وجبهة وطنية موحدة، تلتف حول مشروع الدولة، وتدعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وتواجه المشروع الحوثي الإيراني بكل أدوات السياسة والاقتصاد والإعلام والعسكر. كما تتطلب من القوى السياسية، والنخب الفكرية والإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، أن تتحمل مسؤوليتها الوطنية في تعزيز الوعي، وكشف حقيقة المشروع الحوثي، وحشد الإرادة الشعبية خلف معركة استعادة الدولة.
لقد أكد خطاب الرئيس العليمي أن الدولة تمتلك مشروعًا واضحًا لإنقاذ اليمن، وأن طريق الخلاص يبدأ باستعادة الموارد، وتعزيز المؤسسات، وتوحيد الصف الوطني، ودعم القوات المسلحة حتى إنهاء الانقلاب. واليوم، وبعد التصعيد الحوثي الأخير، أصبحت هذه الرؤية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
إن استقرار اليمن لن يتحقق إلا باستعادة الدولة وسيادتها الكاملة، ولن يتحقق السلام الحقيقي ما دام القرار الوطني مرتهنًا لمليشيا تديرها أجندة خارجية. ولذلك فإن الالتفاف الشعبي حول القيادة الشرعية، وعودة مؤسسات الدولة وقياداتها إلى الداخل، ودعم القوات المسلحة حتى تحرير صنعاء، ليست خيارات سياسية قابلة للتأجيل، بل هي استحقاقات وطنية تفرضها طبيعة المرحلة، والطريق الوحيد لإنهاء الانقلاب، وقطع الذراع الإيرانية في صنعاء، واستعادة اليمن دولةً عربيةً مستقلةً، سيدةً على قرارها وأرضها ومستقبلها.
،،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦م