ثمة لحظات في تاريخ الأمم تتجاوز فيها الأحداث حجمها الآني لتتحول إلى منعطف يُعاد فيه ترتيب موازين القوى والإرادات. وما صدر عن فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، ومن بعده مجلس الدفاع الوطني بكامل أعضائه، ليس مجرد بيان سياسي عابر، بل إعلان صريح عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، مرحلة كانت فيها الدولة اليمنية رهينة لابتزاز مليشيا مسلحة، وبداية عهد تستعيد فيه الشرعية زمام المبادرة والقرار.
لسنوات طويلة، مارست مليشيا الحوثي الإرهابية لعبة مكشوفة، تجويع الشعب، ثم تحميل الشرعية والتحالف مسؤولية هذا التجويع، إغلاق مطار صنعاء أمام الاستخدام المدني الآمن، ثم المطالبة بفتحه لخدمة تنقلات قادتها وعائلاتها بعيدا عن أي رقابة سيادية، مصادرة عائدات النفط والغاز، ثم توظيف الأزمة المعيشية الناتجة عن ذلك كورقة ضغط سياسي وإنساني على الداخل والخارج معا. لقد كانت هذه المليشيا، ولا تزال، تدير معاناة اليمنيين كأداة تفاوضية، لا كقضية إنسانية تستحق الحل.
ما تغير اليوم أن الدولة اليمنية قررت كسر هذه المعادلة من جذورها. فاستئناف تصدير النفط ليس مجرد قرار اقتصادي، إنه إعلان بأن ثروات اليمن لن تبقى بعد اليوم رهينة لمزاج مليشيا أو ورقة ضغط في يد جماعة انقلابية. وتوجيه هذه العائدات مباشرة لصرف الرواتب وتحسين الخدمات، هو رسالة للمواطن اليمني قبل أي طرف آخر، بأن دولته لم تتخل عنه، وأن الفجوة التي استغلتها المليشيا لسنوات لتبرير انقلابها بدأت تُغلق فعليا.
والأهم من ذلك، أن هذا التوجه لم يصدر عن جهة واحدة، بل جاء بإجماع مؤسسي كامل، مجلس القيادة الرئاسي بكل أعضائه، رئيس مجلس النواب، رئيس الحكومة، رئيس مجلس الشورى، وكافة الجهات المعنية. هذا الإجماع في حد ذاته رسالة سياسية بالغة الدلالة، فالقرار ليس قرار شخص، بل قرار دولة بكامل مؤسساتها، وهذا ما يمنحه صلابة يصعب على أي طرف، داخليا أو خارجيا، التشكيك في شرعيته أو مصداقيته.
إن الخطاب الرئاسي، بما حمله من لغة حاسمة تجاه “معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب”، لم يكن استجابة عاطفية للحظة، بل تتويجا لتراكم طويل من الصبر والمبادرات التي قابلتها المليشيا بالرفض تلو الرفض. فالدولة اليمنية قدمت كل ما يمكن تقديمه في سبيل السلام، من تشغيل مطار صنعاء بصورة قانونية وآمنة، إلى قبول مبادرات إقليمية ودولية متعددة، إلا أن المليشيا اختارت في كل مرة أن تعيد إنتاج الأزمة بدل حلها، لأن استمرار الأزمة هو مبرر وجودها واستمرار سلطتها.
ولعل أخطر ما في مشروع هذه المليشيا أنه لم يكتف بمصادرة قرار اليمنيين، بل سعى إلى جر اليمن بأكمله إلى أتون الصراعات الإقليمية لإيران، مهددا الملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي، في مقامرة غير مسؤولة بمستقبل بلد بأكمله من أجل خدمة أجندة خارجية لا تمت لليمن ولا لليمنيين بصلة.
اليوم، ومع هذا التوجه الحاسم، يقف اليمنيون أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن ودولته، دولة تستعيد قرارها الاقتصادي، وتستعيد هيبتها العسكرية والأمنية، وتستعيد قبل كل ذلك ثقة شعبها بأنها قادرة على حمايته دون أن ترضخ لابتزاز أي طرف مهما بلغت قوته الميدانية المؤقتة.
إن مساندة هذا التوجه ليست خيارا حزبيا أو فئويا، بل واجب وطني يفرض نفسه على كل من يؤمن بدولة الجمهورية، وبحق اليمنيين في العيش بكرامة بعيدا عن سلطة السلاح والوصاية الإيرانية. فاليمن الذي انتصر للجمهورية في السابق، قادر اليوم، بإجماع قواه الحية ومؤسساته الشرعية ودعم أشقائه، على أن ينتصر لدولته، ويطوي صفحة الانقلاب إلى غير رجعة.