آخر تحديث :الثلاثاء-21 يوليو 2026-11:56م

الهدار.. قيادة إدارية استثنائية في زمن الحرب

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - الساعة 01:22 ص
مدين مقباس


في الحروب لا تتوقف الخسائر عند حدود الدمار الذي يصيب المدن والبنية التحتية، بل تمتد لتطال مؤسسات الدولة والخدمات العامة، فتتعطل المصالح، وتتراجع كفاءة الأجهزة الحكومية، ويصبح استمرار أي مؤسسة في أداء واجبها على النحو المطلوب استثناءً يستحق التقدير.


واليمن، خلال سنوات الحرب، لم تكن بمنأى عن هذا الواقع؛ فقد تعرضت مؤسسات الدولة لهزات كبيرة، وتعثرت كثير من الجهات في أداء مهامها، بينما نجحت مؤسسات محدودة في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإداري والخدمي، بفضل إدارات أدركت حجم المسؤولية وتعاملت مع الظروف الاستثنائية بروح المسؤولية والالتزام.


ومن بين هذه النماذج يبرز الأستاذ علي ناصر الهدار، رئيس الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات، الذي استطاع أن يقدم نموذجًا إداريًا لافتًا في إدارة الهيئة خلال سنوات الحرب. فقد أولى اهتمامًا خاصًا بشريحة المتقاعدين المدنيين، وحرص على انتظام صرف معاشاتهم، بل والعمل على صرفها قبل موعدها المحدد بأسابيع، وهو أمر ترك أثرًا إيجابيًا لدى آلاف الأسر التي تعتمد على تلك المعاشات كمصدر دخل رئيسي.


وتتضح قيمة هذا الإنجاز عند مقارنته بأوضاع شرائح أخرى من المتقاعدين والموظفين وخاصة في وزارتي الدفاع والأمن،الذين عانوا، ولا يزال بعضهم يعاني، من تأخر صرف مستحقاتهم لأشهر طويلة، الأمر الذي فاقم من معاناتهم المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.


لقد واجهت الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات، بعد الحرب، تحديات جسيمة، إلا أن إدارتها تمكنت من إعادة ترتيب أوضاعها واستعادة قدر كبير من كفاءتها، حتى أصبحت من المؤسسات الحكومية التي يشار إليها كنموذج في الانضباط الإداري واستمرارية الخدمة، رغم محدودية الإمكانات وتعقيدات المرحلة.


ولا يعني انتظام صرف المعاشات أن أوضاع المتقاعدين المدنيين أصبحت مثالية؛ فما تزال قيمة المعاشات متدنية، وتحتاج إلى مراجعة وتسويات تتناسب مع الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، وهي مسؤولية تقع على عاتق الحكومة والجهات المختصة. غير أن انتظام الصرف في حد ذاته يمثل عامل استقرار مهمًا، ويخفف جانبًا من الأعباء التي تواجهها هذه الشريحة.


إن نجاح أي مؤسسة في زمن الأزمات والحروب لا يُقاس بحجم الموارد التي تمتلكها، بل بقدرة قيادتها على إدارة المتاح بكفاءة، والمحافظة على حقوق المواطنين واستمرار تقديم الخدمة. ومن هذا المنطلق، فإن تجربة الأستاذ علي ناصر الهدار تستحق الإشادة، كما تستحق أن تكون نموذجًا يحتذى به في بقية المؤسسات الحكومية، لأن الإدارة الناجحة في أوقات الأزمات ليست ترفًا، بل ضرورة تمس حياة الناس واستقرارهم.