سُـــــــــرقت من حياتنا سنوات لا ندري كيف انقضت، سنوات عشناها بأفراحها وأتراحها، بين فَقد وفُقد، لكنها مرت في عجالة.
لا زلت أحياناً أرتجف وكأنني في طابور المدرسة الابتدائية. لا زلت أسمع قعقعة أسناني المرتعشة من برد ذلك الصباح الشتوي.
ما زلت أرى طيفي بين أطفال الحي، وهم يلعبون بشغف تحت حبات المطر، لا زال شيء مني يسكن ضحكاتهم، ويرافق خطواتهم حين يسرحون ويمرحون.
لا زلت أحيانا أشعر أن يدي، مازالت تبحث عن يد أبي ليمسكها، ويسير بها في منعطفات الحياة.
لا زلت لا أتذكر بعض الوجــــــــــــــــوه التي تعانقني صـــــــــباح العيد، لكنني فقط ابتسم لها متعجباً!! كيف شاخت؟
كل ما أتذكره أنني يومها عدت من مراعي وادينا، اركض أنا وأغنامي، نسابق المـــــــــــــــطر، وسط ضجيج الرعـــــــــود، ولامح البروق، قبيل غروب الشمس. وكانت أمي تنتظرني في مدخل قريتنا، وأبي يقف على باب بيتنا القديم، ولا يكف عـــــــــــن التحديق إلى الطريق ، منتظــــــــــراً عــــــــــــــودتي.
عدت وعادت أغنامي مسرعة إلى حــــظيرتها، وسط ثغاء صغارها حتى استكنت في مأواها، ثم ازداد المطر غزارة، فأسرعنا بدخول البيت، وقال لي أبي : تناول طعامك واســـــــــترح، بينما كانت أمي تلح علي أن أغير ملابسي المبتلة من المطر.
أذكر أنني بعدها التحفت بطانيتي، ولم يمنعني ضجيج المطر والرعود، ولا خوفي من معلم الرياضيات، من أن أقط في سبات عميق، دون أن أكتب واجبي المنزلي.
استسلمت للتعب، ونمت وكأنني أفقت على واقعي الحالي، وأنا أتعجب كيف مرّت تلك السنون في عجـــــــــــــــالة.
أحياناً أحدق في وجوه المارة، وهم يلقون علي التحية، ويلوحون بأياديهم للترحيب بي، وينادونني باسمي بحفاوة ولا أتذكرهم، مرات كثيرة لا تحضرني أسماؤهم، مهما أطلت التحديق إلى وجوههم !! لكن تلك الوجوه بالنسبة لي، وجـــــــــــــــوه مألـــــــوفة من مرحلة خاطفة عشتها بحلوها ومرها.