في المنعطفات التاريخية الكبرى، لا تُقاس قوة الأمم بما تمتلكه من ترسانة عسكرية فحسب، بل بقدرتها على قراءة المخاطر الحقيقية التي تتهدد وجودها، وبامتلاك مشروع حضاري يحمي حاضرها ويصنع مستقبلها. فالأمم التي تغيب عنها الرؤية، تصبح ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين، وتتحول أوطانها إلى ميادين صراع تُدار بالوكالة، بينما يدفع المواطن العربي وحده ثمن الدم والخراب.
لقد أثبتت العقود الماضية أن العالم العربي لم يكن يواجه تحديات عسكرية فقط، بل واجه محاولات مستمرة لإضعاف الدولة الوطنية، وتمزيق النسيج الاجتماعي، واستنزاف مقدراته الاقتصادية، حتى أصبحت مدن عربية كثيرة شاهدة على حروب لم تنتج سوى الخراب، والانقسام، وتعميق الأزمات.
ومن أخطر التحديات التي تواجه المنطقة، في تقدير كثير من المحللين، تنامي النفوذ الإيراني عبر جماعات مسلحة حليفة في عدد من الدول العربية، مثل جماعة الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، وفصائل منضوية ضمن الحشد الشعبي في العراق. ويرى هؤلاء أن هذه الجماعات أسهمت في تعقيد الأزمات الداخلية وإطالة أمد الصراعات، بما انعكس سلبًا على استقرار تلك الدول وسيادتها.
لقد بات من الواضح أن أخطر الحروب ليست تلك التي تستهدف الجيوش فقط، بل التي تستهدف الإنسان العربي، واقتصاده، وبنيته التحتية، ومؤسساته، ومستقبل أجياله. فحين تُقصف الموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء والمياه والطرق والمنشآت الحيوية، فإن المستهدف الحقيقي ليس الحجر، وإنما حياة الشعوب وقدرتها على النهوض.
إن استهداف البنية التحتية للدول العربية يمثل نهجًا عدوانيًا بالغ الخطورة، لأنه يضرب أسس التنمية، ويعطل الاقتصاد، ويزيد معاناة المدنيين، ويترك آثارًا تمتد لسنوات طويلة بعد توقف المواجهات. وعندما تصبح المنشآت المدنية هدفًا للصراعات، فإن الخاسر الأول والأخير هو المواطن العربي.
وفي خضم هذه الأحداث، يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح: من الذي يدفع الثمن الحقيقي لهذه الصراعات؟ إن المتضرر الأكبر هم العرب، ومدنهم، واقتصاداتهم، وشعوبهم، بينما تستمر دوامات المواجهة في استنزاف المنطقة وإبعادها عن أولويات التنمية والاستقرار.
كما أثبتت التجارب أن القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ينبغي أن تبقى بعيدة عن التوظيف السياسي أو الإقليمي، لأن تحويلها إلى أداة في صراعات النفوذ لا يخدم أصحاب القضية، ولا يحقق الأمن والاستقرار، بل يزيد المنطقة انقسامًا ويضاعف معاناة شعوبها.
إن ما تحتاجه الأمة العربية اليوم ليس المزيد من الاصطفافات التي تعمق الانقسام، وإنما مشروع عربي متكامل يعيد الاعتبار للدولة الوطنية، ويحمي السيادة، ويؤسس لشراكات اقتصادية وتنموية وأمنية قادرة على مواجهة التحديات المشتركة، بعيدًا عن التدخلات الخارجية ومشاريع الهيمنة.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تفعيل العمل العربي المشترك، وتعزيز دور مؤسسات التعاون العربي، وتنسيق المواقف بما يحفظ أمن الدول العربية واستقرارها، ويمنع تحويل أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.
وفي هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها إحدى أهم ركائز الاستقرار العربي، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وإسلامي، ودورها في دعم الأمن الإقليمي، وتشجيع الحلول السياسية، والدفع نحو التنمية والتعاون بين الدول العربية.
وقد رسخ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود نهجًا يقوم على دعم التضامن العربي والإسلامي، فيما يقود صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، رؤية طموحة جعلت المملكة نموذجًا في التنمية والإصلاح الاقتصادي وتمكين الإنسان، ورسخت مكانتها باعتبارها قوة عربية تسعى إلى بناء المستقبل لا إلى صناعة الفوضى.
كما يمثل التعاون الاستراتيجي بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية أحد أهم أعمدة الأمن القومي العربي، لما للدولتين من ثقل سياسي واستراتيجي وقدرة على قيادة مشروع عربي يعيد للأمة توازنها، ويحمي مصالحها، ويصون استقرارها.
إن التاريخ لا يصنعه المتفرجون، وإنما تصنعه الأمم التي تمتلك مشروعًا، وتؤمن بوحدتها، وتحمي أوطانها من الانقسام والتبعية. واليوم، يقف العرب أمام فرصة تاريخية لاستعادة زمام المبادرة، وبناء مشروعهم الحضاري بعيدًا عن الصراعات التي استنزفت المنطقة لعقود.
فلا مستقبل لأمة تمزقها الانقسامات، ولا نهضة لمن يسمح للمشاريع الخارجية بأن تعبث بأمنه واستقراره. إن معركة العرب الحقيقية ليست معركة الشعارات، بل معركة الوعي، وبناء الدولة، وصيانة السيادة، وحماية الإنسان، وترسيخ التنمية.
إنها لحظة الاختيار... فإما مشروع عربي يصنع المستقبل، وإما استمرار دوامة الفوضى التي لا تنتج إلا الخراب.