آخر تحديث :الإثنين-20 يوليو 2026-05:39م

قراءة في السردية المضللة لتقييم الشرعية ومليشيات الحوثي الانقلاببية .

الأحد - 19 يوليو 2026 - الساعة 07:53 م
توفيق الشعبي


بقلم /توفيق عبدالله الشعبي .


أثار أحد الكتاب مؤخراً على منصة (X) إشكالية في غاية الأهمية والخطورة؛ وتتمثل في ذاك التركيز المكثف من قِبل الناشطين والإعلامين والمراكز البحثية على الاختلالات وسوء الإدارة في مناطق الحكومة الشرعية، مقابل تعامٍ أو تناول خجول لما يحدث في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي. من جرائم وانتهاكات ، هذا الطرح يفتح الباب واسعاً لتفكيك ظاهرة لم تعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحولت إلى "سردية مشوهة" مضللة تصوغ وعي الرأي العام الداخلي، وتُوجّه بشكل خطير تقارير مراكز الأبحاث الدولية، الأمر الذي ينعكس سلباً على صانعي السياسة الخارجية في إدارة ملف الأزمة اليمنية.

المؤسف حقاً أن الكثير من الأقلام الوطنية والكتاب المؤيدين للشرعية والرافضين للانقلاب، ينخرطون وينساقون دون وعي بقصد او بغير قصد في هذه السردية، مما يمنح الخارج انطباعاً زائفاً وتصورا بعدم أهلية الحكومة الشرعية وسوء إدارتها ، ويقدم في المقابل صورة شبه إيجابية أو مستقرة تحسن من سمعة و إدارة مليشيات الحوثي .

إن الخلل الأساسي في هذه السردية المزيفة يكمن في أنها تفتقر إلى المنطق والموضوعية، وتتجاهل الواقعية الهيكلية والظروف المحيطة للأحداث التي يجب أن تُبنى عليها أي مقارنة منصفة.

لا يمكن لعاقل أن يعقد مقارنة عادلة بين طرفين دون النظر إلى نقطة الانطلاق لكل منهما والظروف الواقعية التي لازمت ورافقت الأمر منذ لحظة انقلاب مليشيات الحوثي وسيطرتها على العاصمة صنعاء ،

الحكومة الشرعية بدأت عملياً من تحت الصفر منذ إعلان عدن عاصمة مؤقتة الجمهورية اليمنية عام 2015. حينها، لم تكن هناك مؤسسات، ولا وزارات، ولا هياكل إدارية، ولا أرشيفات، ولا شبكات اتصالات، ولا قواعد بيانات للموظفين أو منظومة مالية فاعلة. لقد نهضت الشرعية من بين الركام لتعيد التأسيس لبنية الدولة وهياكلها من لا شيء، وفي ظل ظروف حرب استثنائية وشحة مفرطة في الموارد.

بينما مليشيات الحوثي على العكس تماماً، استلمت في صنعاء مؤسسات ووزارات وهياكل موسسبة جاهزة، قائمة تم بناؤها تراكميا عبر عقود من عمر الجمهورية. وعملت من خلال هذه المنظومة الجاهزة، وبأدواتها، وكوادرها المدربة، وإمكانياتها، وبياناتها، وأموالها.

هم لم يَبْنوا نظاماً كما يسوق لذلك البعض بل استولوا على نظام دولة حركوه لصالح مشروعهم واستخدمه لمصالحهم وبناء امبراطوريتهم وفرض سيطرتهم وسطوتهم على اليمنيين ، علاوة على التخريب والهدم المتواصل للموسسات التي استولى عليها فحولوها من موسسات وإدارات وطنية لليمنيين إلى كنتونات ومشاريع خاصة بهم وأسرهم .


بينما استطاعت الشرعية بكثير من الجهد إرساء مداميك مؤسسية وأنظمة بديلة من العدم، ركّز الطرف الآخر جهده على هدم وتدمير وتعطيل وتطييف المؤسسات القائمة التي استولى عليها.

لماذا إذن يقع الداخل والخارج في فخ هذا التقييم المجحف؟ يعود ذلك إلى سببين رئيسيين:

منطق الدولة ومنطق المليشيات


بما أن الشرعية تمثل منطق الدولة والقانون والمشروعية الدولية، فإن سقف التوقعات منها يرتفع تلقائياً. يُحاسب الخارج والداخل الشرعية بمقاييس ديمقراطية صارمة؛ لذا تُضخم أي مخالفة أو قضية فساد أو انفلات أمني. في المقابل، يمارس المجتمع الدولي والمراكز البحثية ما يمكن تسميته بـعنصرية التوقعات المنخفضة تجاه مليشيات الحوثي؛

فالقمع، والانتهاكات، وتكميم الأفواه هي سلوكيات متوقعة من جماعة شمولية، وبالتالي لم تعد تمثل خبراً مثيراً بل إن مجرد قيام مليشيات الحوثي بفرض أمن قمعي أو جباية النفايات يُصنف خارجياً كإنجاز إداري


هامش الحرية لدى الشرعية

ومنهج القمع في مناطق المليشيات .

إن الهامش الديمقراطي والحرية النسبية في مناطق الشرعية يرتد عليها سلباً في معركة الوعي. فوجود إعلام معارض، وناشطين ينتقدون بحرية، ومؤسسات مجتمع مدني ترصد وتكشف التجاوزات، يجعل كل الأخطاء تطفو على السطح فوراً. بينما تحولت مناطق مليشيات الحوثي إلى صندوق أسود بفعل الإرهاب الفكري والأمني الشامل؛ حيث غُيبت الصحافة المستقلة وسُجن الناشطون، فصار غياب المعلومة يُفسر خطأً في الخارج على أنه استقرار ونظام.


من أعمق النقاط التي تستدعي التوقف في المقال المثار، هو انسياق النخب المؤيدة للشرعية في هذه السردية. ينطلق هؤلاء غالباً من دافع وطني غيور يرغب في إصلاح الاختلالات وتجويد أداء مؤسساتهم، لكنهم يغفلون عن "سياق النقد في زمن المعركة".

إن التحول من النقد البنّاء الذي يراعي الظروف الصفرية التي انطلقت منها الشرعية، إلى جلد الذات والتعرية الكاملة للمؤسسات الناشئة، يخدم الانقلاب بطريقة غير مباشرة. فهو يقدم مادة دسمة لمراكز الأبحاث الغربية وراسمي السياسات الدولية لصياغة تقارير تخلص إلى "عدم أهلية الشرعية"، مما يضعف موقفها التفاوضي والسياسي.

إن النظرة المنصفة تقتضي أن يُؤخذ سياق التأسيس وظروف المعركة بالاعتبار. إن مقارنة طرف يناضل لإعادة بناء هياكل دولة من العدم، بطرف يستنزف مقدرات دولة جاهزة لتمويل حربه وقمع مواطنيه، هي مقارنة ظالمة ومضللة.

على النخب الفكرية والإعلامية والسياسية في معسكر الشرعية أن تعيد ضبط بوصلة النقد؛ بحيث لا يتحول السعي لإصلاح الاختلالات الداخلية إلى أداة لهدم المشروعية الدستورية وتغذية السرديات الخارجية التي تطيل أمد الانقلاب وتشرعن وجوده كأمر واقع.