آخر تحديث :الأحد-19 يوليو 2026-08:37م

السماء ليست للطيران وحده .. والبحر ليس للملاحة فقط كيف أصبحت المنافذ الجوية والبحرية عنوانًا لمعركة السيادة في اليمن؟

السبت - 18 يوليو 2026 - الساعة 10:16 م
محمد خالد الحسيني


ليس من قبيل المصادفة أن تتصدر خلال أيام قليلة أخبار استئناف الرحلات الجوية إلى صنعاء، ورفض الحوثيين لها، وحوادث القرصنة قبالة السواحل اليمنية، وتحركات خفر السواحل، وقضايا تشغيل الخطوط الجوية اليمنية.

فهذه الوقائع، على اختلاف عناوينها، تلتقي عند قضية واحدة هي من يمتلك القدرة على إدارة المجالين الجوي والبحري في اليمن، لأن إدارة هذه المنافذ تمثل إحدى أهم وظائف الدولة السيادية ومؤشرًا على مستوى حضورها.

ففي الدول المستقرة، تُدار المطارات والموانئ والمجالات الجوية والمياه الإقليمية باعتبارها مؤسسات سيادية تعمل لخدمة المواطنين وتأمين حركة التجارة والسفر.

أما في اليمن، فقد أصبحت هذه المرافق جزءاً من معادلة الصراع السياسي، بحيث لم يعد تشغيل رحلة جوية أو تأمين ممر بحري مجرد شأن فني، بل خطوة تحمل أبعاداً سياسية وسيادية في الوقت نفسه.

ويبرز ذلك بوضوح في المبادرة الأردنية لاستئناف الرحلات التجارية المنتظمة بين عمّان وصنعاء.

فمن حيث الشكل، تبدو المبادرة استجابة إنسانية لتسهيل سفر اليمنيين، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى الترحيب بها باعتبارها امتداداً لأحد أهم مكتسبات هدنة عام 2022، كما حظيت بدعم المملكة العربية السعودية وموافقة الحكومة اليمنية.

لكن أهميتها الحقيقية لا تكمن في عدد الرحلات التي سَتُسيَّر، وإنما في أنها تعيد طرح سؤال جوهري: هل يمكن إعادة تشغيل أحد أهم المرافق السيادية في البلاد عبر تفاهمات تخدم المدنيين، أم سيظل هذا الملف خاضعاً لمنطق الصراع؟

ومن هنا اكتسب رفض الحوثيين للمبادرة دلالته السياسية، فالرفض لم يكن لمبادرة عسكرية أو لاتفاق سياسي شامل، بل لخطوة تتعلق بالطيران المدني.

وهذا يكشف أن السيطرة على المجال الجوي لم تعد مجرد قضية أمنية، بل أصبحت ورقة سياسية تمنح من يتحكم بها قدرة على التأثير في حركة السكان، والانفتاح على العالم الخارجي، وإدارة أحد أبرز رموز السيادة.

في المقابل، جاء موقف الحكومة اليمنية منسجماً مع خطابها القائم على إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وإدارة المرافق العامة وفق الاعتبارات الخدمية والسيادية.

ولذلك، فإن رفض المبادرة منح هذا الخطاب زخماً إضافياً، إذ بدا أن الحكومة توافق على فتح منفذ مدني، بينما يتمسك الطرف الآخر بإبقاء الملف ضمن حسابات الصراع السياسي.

غير أن الصورة لا تكتمل بالنظر إلى السماء فقط، ففي البحر، تتجلى التحديات ذاتها بصورة مختلفة.

فإعلان خفر السواحل اليمنية متابعة اختطاف ناقلة النفط أسانا من قبل قراصنة صوماليين، مع الحديث عن سفينة أخرى تعرضت للقرصنة قبالة السواحل اليمنية، يسلط الضوء على أن المياه اليمنية أصبحت بدورها ساحة لاختبار قدرة الدولة على حماية الملاحة وتأمين أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.

ولا يتعلق الأمر بحادثة قرصنة منفردة، بل بمسؤولية مستمرة تقع على عاتق المؤسسات المختصة في حماية السواحل والمياه الإقليمية، وتأمين حركة السفن، والتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، تكتسب مباشرة رئيس مصلحة خفر السواحل مهامه من عدن أهمية تتجاوز البعد الإداري، لأنها تعكس محاولة إعادة تنشيط مؤسسة سيادية تضطلع بمهام ترتبط مباشرة بأمن البحر اليمني.

وفي الوقت نفسه، يبرز البعد الإنساني لهذه المؤسسة من خلال استمرار عمليات الإنقاذ، كما حدث في سواحل المكلا والشحر، حيث تمكنت فرق خفر السواحل من إنقاذ أربعة أشخاص، بينهم طفل.

فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأخطار الكبرى، وإنما أيضاً باستمرارها في أداء واجباتها اليومية تجاه المواطنين.

أما في المجال الجوي، فإن توضيح الخطوط الجوية اليمنية لأسباب تحليق إحدى طائراتها بشكل متكرر في سماء عدن يكشف جانباً آخر من المشهد، وهو أن استعادة انتظام الملاحة الجوية لا تعتمد على القرارات السياسية وحدها، بل تحتاج إلى منظومة تشغيلية مستقرة، وإجراءات فنية متكاملة، ومؤسسات قادرة على إدارة هذا القطاع بكفاءة.

إن الرابط الحقيقي بين هذه التطورات ليس تزامنها الزمني، وإنما وحدة موضوعها، فالمجال الجوي والفضاء البحري يمثلان اليوم اختباراً عملياً لمدى قدرة الدولة اليمنية على استعادة وظائفها الأساسية.

فكل رحلة مدنية تُستأنف تعني استعادة جزء من الاتصال بالعالم، وكل حادثة قرصنة تُواجه تعني حماية جزء من السيادة البحرية، وكل مؤسسة تستعيد نشاطها تعني استعادة جزء من حضور الدولة.

ومن هنا، فإن معركة اليمن لم تعد تُختزل في خطوط التماس العسكرية وحدها، بل أصبحت تمتد إلى السماء والبحر، حيث تدور مواجهة من نوع آخر عنوانها إدارة المنافذ السيادية.

فهذه المنافذ ليست مجرد بوابات للحركة، بل هي مؤشرات على قدرة الدولة على ممارسة سلطتها، وحماية مصالح مواطنيها، وربط اليمن بمحيطه الإقليمي والدولي.

ولعل أهم ما تكشفه هذه التطورات أن استعادة الدولة لا تبدأ فقط بإسكات صوت السلاح، وإنما أيضاً بإعادة انتظام حركة الطائرات، وأمن السفن، وفاعلية المؤسسات التي تدير المجالين الجوي والبحري.

فحين تستعيد الدولة السيطرة على منافذها، فإنها تستعيد في الوقت نفسه إحدى أهم وظائفها السيادية، وتضع أساساً أكثر صلابة لأي مسار سياسي أو اقتصادي أو إنساني في المستقبل.