احتلت فرنسا الجزائر سنة 1245-1246هـ، الموافق لسنة 1830م، وكانت الجزائر آنذاك إيالةً تابعةً للدولة العثمانية. وانطلاقًا من مؤتمر برلين، الذي انعقد بين الدول الأوروبية سنة 1295هـ الموافق 1878م، لتقسيم مناطق النفوذ في إفريقيا والشرق الأوسط، تقرر أن تكون تونس من نصيب فرنسا.
تواصلت المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، وكان المقاومون يلجؤون إلى جبال خمير في الشمال الغربي التونسي، فبررت فرنسا اقتحام الأراضي التونسية بادعائها أنها تقوم بحملة تأديبية ضد القبائل الخارجة عن سيطرتها. غير أن فرنسا كانت، في الواقع، تنفذ ما اتُّفق عليه في مؤتمر برلين بشأن بسط نفوذها على تونس. وهكذا اجتاحت القوات الفرنسية الحدود التونسية يوم 25 جمادى الأولى 1298هـ الموافق 24 أفريل 1881م.
ولم يكن تقدم الجيش الفرنسي سهلًا، إذ واجه مقاومة شرسة من قبائل خمير، مدفوعةً بالشعور الفطري بضرورة الدفاع عن الوطن، إلى جانب الدعم الذي تلقته من العروش الجزائرية المجاورة.
ويُقدَّر عدد شهداء قبائل خمير خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الاحتلال بأكثر من 300 شهيد.
ورغم المقاومة الشديدة، واصل الجيش الفرنسي تقدمه واحتل المدن التونسية تدريجيًا، كما يلي:
باجة: 25 و27 جمادى الأولى 1298هـ، الموافق 24 و26 أفريل 1881م.
بنزرت، تونس، وسوسة: جمادى الآخرة 1298هـ، الموافق 12 ماي 1881م.
صفاقس: 20 شعبان 1298هـ، الموافق 17 جويلية 1881م.
قابس: 27 شعبان 1298هـ، الموافق 24 جويلية 1881م.
القيروان: 6 ذو الحجة 1298هـ، الموافق 29 أكتوبر 1881م.
قفصة: 7 ذو الحجة 1298هـ، الموافق 30 أكتوبر 1881م.
قبلي: 11 رمضان 1299هـ، الموافق 5 أوت 1882م.
تطاوين: 21 جمادى الآخرة 1299هـ، الموافق 9 ماي 1882م.
استشهد آلاف المقاومين أثناء تصديهم للزحف الفرنسي، الذي كان يتقدم انطلاقًا من الشمال الغربي نحو العاصمة لحسم سيطرته على المملكة التونسية، إلى أن أصبحت تونس تحت الحماية الفرنسية يوم 13 جمادى الآخرة 1298هـ الموافق 12 ماي 1881م.
كان الصادق باي في قصر باردو عندما تقدم الجيش الفرنسي وحاصر مقر إقامته. واقتحم اللواء بريار، قائد الجيش الفرنسي، القصر محاطًا بالخيالة الفرنسيين، ثم تقدم نحو الباي وهو يحمل نسختين من المعاهدة، التي قُرئت على مسمعه، وتنص على تجريد الباي من صلاحيات إدارة الشؤون الخارجية والدفاع.
ومنح اللواء بريار الصادق باي أربع ساعات للموافقة على توقيع المعاهدة، مهددًا إياه باحتلال باردو والزحف نحو العاصمة إذا رفض. فطلب الباي مهلةً للتفكير، لكن اللواء لم يمنحه سوى ساعتين إضافيتين، رافضًا تأجيل القرار إلى اليوم التالي.
ويقول محمد الصادق باي:
"وجدت نفسي تحت ضغط القوة، لوجود جيش أجنبي بالقرب من قصري، فكنت مضطرًا للمحافظة على الشرف، ولاجتناب إراقة الدماء، إلى إمضاء المعاهدة دون أن أتأملها أو أناقشها، وصرحت بأني أمضيها تحت ضغط القوة."
(عندما أشرقت الشمس في الغرب، ص 42).
وعمَّ الغضب الشعب التونسي بعد توقيع المعاهدة التي يعتبرها الفرنسيون اتفاقًا لحماية تونس، بينما كانت في الحقيقة بداية الاستعمار الفرنسي. فقد منحت فرنسا نفسها، بموجب هذه المعاهدة، حق الإشراف على الشؤون المالية والخارجية والعسكرية، إضافة إلى تعيين مفوض فرنسي بمدينة تونس، ومنحت نفسها كذلك حق التدخل في شؤون البلاد.
أما الباي، فقد سمحت له فرنسا بالبقاء في منصبه، مع الاحتفاظ بسلطات محدودة في التشريع والإدارة، على أن تصبح جميع قراراته خاضعةً لموافقة المقيم العام الفرنسي.
ملحمة صفاقس – 16 جويلية 1881
تواصل الغزو الفرنسي، وأصبح الجامع الكبير بصفاقس منبرًا لثورة أهالي المدينة وضواحيها ضد السلطة، أي ضد محمد الصادق باي، بسبب توقيعه المعاهدة التي وصفتها فرنسا بأنها تحمي تونس من "كل سوء" داخل البلاد وخارجها.
ولما لم يتخذ الباي موقفًا تجاه الاحتلال، أرسل كبار زعماء ووجهاء صفاقس عديد الرسائل إلى السلطان عبد الحميد الثاني، طالبين منه التدخل العاجل للدفاع عن المدينة في مواجهة الاحتلال الفرنسي. ومن بين تلك الرسائل عريضةٌ كُتبت سنة 1299-1300هـ الموافق 1882م، ووقعها 49 من وجهاء صفاقس، ورفعت إلى الباب العالي، لكن دون جدوى.
وتقدمت قوات الاحتلال الفرنسي نحو صفاقس، غير أنها اصطدمت بمقاومة شرسة من أبناء المدينة والقبائل المجاورة.
لقد خرجت صفاقس عن طاعة الباي، وأصبح زمام الأمور بيد القائد حسونة الجلولي، ممثل المملكة التونسية في صفاقس، الذي وعد الأهالي بألا تطأ أقدام الجيش الفرنسي المدينة. غير أن ما حدث كان عكس ذلك، إذ اتُّهم القائد الجلولي بالتواطؤ مع العقيد هانيك ونائب القنصل الفرنسي.
فانتفض أهالي صفاقس والقبائل المجاورة ضد هذا التواطؤ، وهاجموا كل من كانت له صلة بالفرنسيين بالعصي والبارود، حتى إنهم اعتدوا على القنصل الفرنسي فكسروا يده.
كما شكّلت المدينة لجنةً مكونةً من أربعين شخصًا، برئاسة محمد كمون، لتولي مهمة الدفاع عن صفاقس. وانضمت إلى أهالي المدينة قبائل نفات، والمثاليث، والعقاربة، والمهاذبة، كما التحقت بها قبائل الهمامة، وبني زيد، والحمارنة، بقيادة علي بن خليفة النفاتي، الذي قال:
"نقاوم الاستعمار، والآن أصبحت طاعة الباي كفرًا."
ابتداءً من 8 شعبان 1298هـ الموافق 5 جويلية 1881م، تعرضت أسوار مدينة صفاقس لقصف مكثف من البوارج الفرنسية الراسية في البحر، لكنها لم تتمكن من الاقتراب من الأسوار وتدميرها بسبب ضحالة مياه الساحل.
وساهم في الدفاع عن المدينة نحو 8000 مقاوم، كانوا مسلحين ببنادق وهراوات وسيوف، إضافة إلى 62 مدفعًا متهالكًا، في مواجهة ترسانة عسكرية فرنسية ضخمة، ضمت 16 سفينة حربية، و15 مدفعًا، و6000 جندي.
وفي 13 شعبان 1298هـ الموافق 10 جويلية 1881م، اضطر الجيش الفرنسي إلى التخلي عن أسطول الشرق واستقدام أسطولي البحر المتوسط الأول والثاني لتعزيز قواته. وقد أبدى المقاومون دفاعًا شرسًا في مواجهة الهجوم الفرنسي، حتى إنهم كانوا يرممون ما تهدم من الأسوار ليلًا، مستعملين خليطًا من التراب والجير والزيت بعد أن شحّ الماء اللازم للترميم.
ولحسم المعركة، قرر اللواء جاماي تنفيذ إنزال بري سريع، واقتحام الأسوار والسيطرة على المدافع، بعدما عجزت البوارج عن الاقتراب بسبب ضحالة البحر. ويُذكر أن الجيش الفرنسي كان يقصف أسوار مدينة صفاقس بواسطة تسع بوارج حربية، إضافة إلى فيلق من مدفعية الجبال التابعة للجيش البري.
وعندما توغل الجيش الفرنسي داخل المدينة، قتل كل من اعترض طريقه، وخرب المنازل والمساجد، وأعدم الرجال والنساء والأطفال بصورة وحشية، كما أشعل النيران في الدكاكين والمنازل.
وأثناء اقتحام المدينة، استولى الجيش الفرنسي على الجامع الكبير ودنّسه. وتذكر إحدى الروايات أن إمام الجامع كان يتلو القرآن الكريم لحظة اقتحام المسجد، فاعتدى عليه الجنود الفرنسيون اعتداءً شديدًا، واستولوا على المصحف الذي كان بين يديه، والذي تقول الرواية إنه لا يزال في حوزة فرنسا. كما حُوِّل الجامع إلى ثكنة عسكرية، يبيت فيها الجنود ويغسلون ثيابهم، واستُعمل صحن الجامع إسطبلًا لخيولهم.
وقام الجيش الفرنسي أيضًا بنهب وسرقة كل ما هو ثمين في منازل صفاقس، فضلًا عن قتل أصحابها.
وفي 20 شعبان 1298هـ الموافق 17 جويلية 1881م، وجّه الأميرال قارنو رسالة إلى باريس جاء فيها:
"أصبحت صفاقس الآن رسميًا جزءًا من أراضي الجمهورية الفرنسية، بعد معركة حامية الوطيس قتلنا أثناءها 900 مقاوم من صفاقس ومن المناطق المجاورة، مقابل 40 جنديًا فرنسيًا."