مما يجب إدراكه ثقافيا وسياسيا ومجتمعيا العلم بدور لقضية الفلسطينية في تشكيل الوجدان السياسي العام كمعيار رمزي تقاس بها شرعية النظم السياسية وقوة الأيديولوجيات المهيمنة.
غير أن هذا الثقل الرمزي الكبير تحول مع تصاعد الاستقطاب بين المد القومي وتيارات الإسلام السياسي من محفز للتعبئة والوحدة إلى مقوم للتنافس على الشرعية والتمثيل النضالي بين الفكر القومي والسلطة والحراك العقائدي المعارض الأمر الذي أسهم في تعميق الانقسامات الداخلية وأثر في تشكيل البيئة الفكرية والسياسية التي رافقت تحولات الربيع العربي ومآلاته.
بدأ هذا التحول عندما انتقلت القضية الفلسطينية من محور مبدئي مشترك للتوافق الأخلاقي والسياسي إلى محور وظيفي للتنافس على احتكار الخطاب السياسي .
وفي مرحلة المد القومي جرى تأطير القضية كمعركة وجودية للأمة العربية ووظفت في تعزيز شرعية الأنظمة الجمهورية والعسكرية كما استخدمت لتبرير السياسات الاستثنائية وتقييد المجال السياسي تحت شعارات التحرير والوحدة.
ومع تراجع المشروع القومي عقب هزيمة عام 1967 وما أعقبها من تحولات إقليمية وجدت تيارات الإسلام السياسي في القضية الفلسطينية مدخلا لإعادة تعريف الصراع كصراع حضاري وعقائدي بتجاوز الحدود القومية.
وصاحب هذا التحول تغييرا في مفهوم الهوية السياسية حيث أعيد فرز القوى السياسية وفق مواقفها من هذا التصور الجديد فانقسم المشهد بين تيارات قومية اتهمت بالعجز عن تحقيق مشروع التحرير وتطور الأمر إلى أن أصبحت النظم السياسية تتآكر على قضايا الأمة الأمنية والمصيرية بحجة محاربة التطرف الإسلامي ومن ثم عجزت عن التمييز بين فرز القوى الدينية بين من توظف الدين للسياسة ومن تمارسه تعظيما فخسرت تأييدهما معا بين فئة صامتة وهي الأكثر تاركة المجال العام لصراع الإسلام السياسي والقومية العربية .
ومن ثم قدمت تيارات إسلامية نفسها كحامل رئيس لمشروع المقاومة ومن ثم خسرت القاعدة العامة من الشعب بتطرفها الفكري في نقد التدين الانعزالي عن صراع التوظيفين القومي والإسلامي للسلطة .
ومع مرور الوقت انعكس هذا الاستقطاب على البنى الاجتماعية والسياسية داخل كثير من الدول العربية والإسلامية فأصبح الجدل حول القضية الفلسطينية جزءا من الصراع على تعريف الدولة والهوية ومفهوم الأمن القومي.
كما تراجع الاهتمام بقضايا الإصلاح والتنمية وبناء المؤسسات أمام تصاعد السجال الأيديولوجي حول طبيعة الصراع في فلسطين وآليات التعامل معه.
وفي كثير من الأحيان استخدمت القضية الفلسطينية لإضفاء الشرعية على مواقف سياسية متعارضة أو لنزع الشرعية عن الخصوم عبر اتهامات بالتفريط أو العمالة أو الارتهان لمشاريع خارجية، الأمر الذي عمق حالة الاستقطاب المجتمعي وأضعف فرص بناء توافقات وطنية مستقرة وخلق مكونات تتصارع على السلطة عقائديا مضيقة مجال الإسلام الإنساني والمجال العام للتعدد على أساس العدالة والحرية والتنمية للجميع.
وعندما اندلعت ثورات الربيع العربي عام 2011، ظهرت آثار هذه التراكمات بصورة أكثر وضوحا .
وقد برزت القضية الفلسطينية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي كأحد الرموز الدالة على أزمة الشرعية السياسية وحتى القاعدة العامة للقومية بدت رغم رفضها توظيف العقيدة معارضة للأنظمة السياسية التي تتزعم القومية أو توظف القضية توظيفا سياسيا.
إذ ارتبط عجز كثير من الأنظمة عن تحقيق أي تقدم في هذا الملف بصورة أوسع من الإخفاقات الداخلية المتعلقة بالحريات والعدالة والتنمية.
وفي ظل انهيار أو اهتزاز عدد من الأنظمة استفادت قوى الإسلام السياسي من رصيدها الرمزي المرتبط بخطاب المقاومة من جهة والمجال الديمقراطي الغربي من جهة أخرى وسعت إلى توظيفه في تعزيز حضورها السياسي كقيمة إنسانية ويمثلها تيار الاسلام السياسي المدافع عن قيم الديمقراطية حيث خلط بين مفهوم الديمقراطية والشورى ودمج الشورى كمبدأ من مبادئ الإسلام بمعاييره وخصوصياته في مبدأ الديمقراطية الحداثية التي تتنافس مع كل مبادئ العقل والشرع معا .
بينما رأت قوى مدنية وقومية ومؤسسات الدولة- والتي كانت تعتمد مبدأ الحزب الواحد وثقافة الغلبة الذي أصل له المماليك كثقافة سياسية -في هذا الصعود تهديدا للدولة الوطنية وإمكانية تحولها إلى إطار يخدم مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود.
وفي المقابل وظفت بعض الأنظمة والقوى المناهضة للثورات ارتباط عدد من فصائل المقاومة بمحاور إقليمية أو بتنظيمات سياسية عابرة للحدود لتكريس خطاب يربط بين التغيير السياسي ومشروعات إقليمية تهدد الدولة الوطنية.
وأسهم هذا الخطاب في تبرير إجراءات أمنية مشددة كما عمق حالة الاستقطاب داخل المجتمعات العربية وبين هاتين أو هذين التطرفين و ضعت القضية ضمن الملفات الاحتياطية ومنةثم برزت كقضية إنسانية عالمية وظفت ايدلوجيا وعقائديا وخصوصا في أوروبا والعالم الغربي .
وفي ظل تداخل العوامل الداخلية مع التدخلات الخارجية تحولت أزمات الدول العربية مثل سوريا واليمن وليبيا من حركات احتجاج ذات مطالب سياسية واجتماعية إلى صراعات معقدة امتزجت فيها الحروب الأهلية بحروب الوكالة والتنافس الإقليمي والدولي.
ولا يعني ذلك أن القضية الفلسطينية كانت سببا مباشرا في هذه التحولات إذ إن جذور الأزمات العربية تعود أيضا إلى اختلالات بنيوية في الدولة الوطنية وأزمات التنمية وضعف المؤسسات والتدخلات الإقليمية والدولية.
إلا أن توظيف القضية الفلسطينية في الصراع على الشرعية والهوية جعلها في كثير من الأحيان عاملا مضاعفا للاستقطاب بدلا من أن تبقى إطارا جامعا للتضامن العربي والإسلامي.
وتكشف هذه القراءة أن القضية الفلسطينية لم تكن هي العامل الذي أدى إلى تفكيك المجتمعات العربية والإسلامية وإنما كان توظيفها السياسي والأيديولوجي أحد العوامل التي أسهمت في تعميق الانقسامات الداخلية.
وبدلا من بناء مشروع نهضوي يجعل من فلسطين قضية إنسانية واخلاقية توحد الشعوب وتعزز بناء الدولة والمؤسسات جرى استخدامها في كثير من الأحيان لتعزيز الصراعات على السلطة والشرعية حتى داخل المجال الفلسطيني نفسه وهو ما أضعف التماسك المجتمعي فلسطينيا وعربيا واسلاميا وأربك مسارات التحول السياسي ووسع هامش تدخل القوى الإقليمية والدولية في شؤون المنطقة بينما طريق الجهل السياسي العربي يمهد الطريق الإسرائيلي لتوسيع نفوذه بسبب هذا الصراع وعدم الكفاءة والعدل والتنمية لهذه النظم نحو فلسطين وسوريا ولبنان حيث ترسمه الجغرافيا والتاريخ فيما يعرف بالتوراة الجغرافية.
ويبقى التساؤل هل تستطيع هذه النظم المصارعة على الهوية الصمود طويلا أمام هذا المشروع أم أنها تعول على صراع المصالح بين إسرائيل وارث العالم الغربي الاستعماري حيث قد يكون هذا معقولا بالنسبة لدول أوروبا التي تخشى من هجرة الإنسان العربي الملغم بهذا التناقض الايدلوجي والصراع النفسي والذي أصبح اليوم يهدد الثقافة المدنية الأوروبية بثقافة الإسلام السياسي المتعدد شيعيا وسنيا، صوفيا واخوانيا، سلفيا واشعريا وقوميا ومتحولا دينيا حيث بدت هذه الفسيفساء تبرز هذه الجزر الفكرية المتعصبة أوروبا ويزيد عليها جزرا مليئة بثقافة الوطننة العابرة للحدود في مجتمعات تعيش اغترابا فلا ترى نفسها أوروبا وإن كانت تحمل جنسياتها ولا ترى نفسها عروبيا واسلاميا وهي تعيش هذه التناقضات بعيدا عن مجتمعاتها الأصلية .