آخر تحديث :الأحد-19 يوليو 2026-02:13ص

هل أصبحت الهدنة أكثر كلفة من إنهاء الصراع؟

السبت - 18 يوليو 2026 - الساعة 12:45 م
د. أحمد بن اسحاق


في 11 أبريل 2016 دخل اليمن أول هدنة شاملة بين الحكومة المعترف بها دولياً والتحالف العربي من جهة، وجماعة الحوثيين من جهة أخرى، تمهيداً لمشاورات السلام التي رعتها الأمم المتحدة. كان الهدف المعلن وقف القتال مؤقتاً لتهيئة الطريق أمام تسوية سياسية، واستعادة الاستقرار، وتخفيف معاناة اليمنيين.


واليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات، ربما لم يعد السؤال: هل نريد الحرب أم الهدنة؟ بل أصبح سؤالاً مختلفاً:

هل حققت الهدنة الغاية التي أُنشئت من أجلها؟


ولأن الإجابة لا ينبغي أن يفرضها الكاتب على القارئ، فلنجرب معاً جلسة عصف ذهني وطنية، بعيداً عن الانحياز لهذا الطرف أو ذاك.

إذا كانت الهدنة قد نجحت، فأين انعكس نجاحها على حياة اليمنيين؟ هل استعادت مؤسسات الدولة وحدتها؟ هل انتهى الانقسام السياسي والإداري والعسكري؟ هل عاد الاقتصاد إلى مسار التعافي؟ هل استؤنفت الصادرات النفطية بصورة مستقرة؟ هل تحسنت قيمة العملة الوطنية؟ هل تراجعت معدلات الفقر والجوع؟ هل تحسنت الخدمات الأساسية التي ينتظرها المواطن؟ هل عاد ملايين النازحين إلى حياة مستقرة؟ هل أصبحت خارطة الطريق تسير وفق جدول زمني واضح ومعلن؟


إذا كانت إجابتك عن معظم هذه الأسئلة هي نعم، فربما تكون الهدنة قد أثبتت نجاحها، ويستحق هذا المسار أن يستمر.

أما إذا كانت إجابتك عن معظمها هي لا، فيبرز سؤال آخر:

ما الذي يبرر استمرار المسار نفسه بعد أكثر من عشر سنوات؟ هل تحولت الهدنة من وسيلة مؤقتة لإنهاء الصراع إلى حالة دائمة لإدارته؟ وهل يجوز أن تتحول الوسيلة إلى غاية، بينما يستمر تآكل مؤسسات الدولة، ويتعمق الانقسام، وتتفاقم الأزمة الاقتصادية عاماً بعد عام؟


ثم لنتساءل بصورة أشمل:

إذا كانت الحرب لم تحقق أهدافها خلال هذه السنوات، ولم تحقق الهدنة أهدافها أيضاً، فهل المشكلة في الحرب؟ أم في الهدنة؟ أم في الطريقة التي أُدير بها الصراع طوال هذه المرحلة؟ هل استُثمرت سنوات التهدئة لبناء الثقة بين الأطراف، أم لإعادة ترتيب موازين القوى؟ هل استُثمرت لبناء مؤسسات قادرة على إدارة الدولة، أم لترسيخ واقع الانقسام؟ ومن المستفيد من استمرار وضع لا هو حرب تنهي الصراع، ولا هو سلام يعيد للدولة وحدتها وللاقتصاد عافيته؟ ومن الذي يدفع الثمن الحقيقي؟ هل هم أصحاب الرواتب الدولارية والمواقع السياسية والعسكرية؟ أم ملايين اليمنيين الذين يعيشون يومياً تحت وطأة الغلاء، وانهيار العملة، وتعثر الاقتصاد، وتراجع الخدمات، وتآكل فرص الحياة الكريمة؟ وهل يقاس نجاح أي هدنة بطول عمرها، أم بما تحققه من نتائج ملموسة على حياة الناس؟


هذه ليست محاولة للدعوة إلى الحرب، وليست دعوة لرفض السلام، بل دعوة لمراجعة حصيلة أكثر من عشر سنوات من إدارة الصراع.

فالتاريخ لا يقيس نجاح الهدن بعدد السنوات التي استمرت، وإنما بما أنجزته خلالها.

ولهذا، يبقى السؤال الذي ربما يستحق أن يطرحه كل يمني على نفسه قبل أن يطرحه على الآخرين:

إذا كانت الهدنة لم تنهِ الصراع، ولم تستعد الدولة، ولم تنعش الاقتصاد، ولم تُخفف معاناة المواطنين بالقدر الذي انتظره اليمنيون، فهل أصبحت كلفة استمرارها، بصيغتها الحالية، أكبر من كلفة البحث عن طريق آخر ينهي هذا الصراع؟

الإجابة ليست عند الكاتب... بل عند كل يمني، وعند كل مسؤول، وعند كل طرف شارك في صناعة هذا المسار أو في إدارته طوال السنوات الماضية.