آخر تحديث :الأحد-19 يوليو 2026-08:37م

فصام تشجيعي.. دموع في الملاعب وتفريط في المساجد

السبت - 18 يوليو 2026 - الساعة 12:36 م
خالد مبروك غالب


يستغرب المرء من حالة الفصام السلوكي التي تعيشها بعض جماهير كرة القدم اليوم، حيث تبدلت المعايير واختلت الموازين في قلوب الكثيرين. يظهر هذا التناقض جلياً في المونديال والمباريات الكبرى، حين تغص المنتديات وتزدحم المقاهي خلف الشاشات العملاقة بآلاف المشجعين الذين يسهرون الليل بطوله، وتراهم يرفعون أكف الضراعة إلى السماء، ويدعون الله بإخلاص وتضرع شديد لمجرد فوز فريقهم أو لاعبهم المفضل كـ "ميسي". لكن المفارقة التي تدمي القلوب تتبدى عندما يرتفع أذان صلاة الفجر من مآذن المساجد، ليعلن نداء الحق واقتراب الفريضة المكتوبة، فإذا بمرتادي بيوت الله لا يكادون يُذكرون، وعددهم أقل بكثير من تلك الحشود التي سهرت تتابع الساحرة المستديرة؛ وهنا يبرز السؤال الفطري الصادم: أنَّى للمرء أن يرجو بركة في دعائه وتوفيقاً في حياته وهو يفرط في الفريضة وتقديم لهو الدنيا على طاعة ربه؟


إن هذا المشهد يتجاوز مجرد تقصير في عبادة، ليكشف عن أزمة نفسية عميقة تصيب الوعي الجمعي؛ حيث تحولت كرة القدم من وسيلة للترويح والترفيه إلى أداة للتخدير النفسي والتشتيت الذهني، تُغيب الشعوب عن قضاياها المصيرية وواقعها المعاش. وتستهدف هذه الحالة بالدرجة الأولى فئة الشباب، الذين هم عماد المستقبل وطاقة الأمة الحية، فبدلاً من توجيه شغفهم وحماسهم نحو البناء والمعرفة وتطوير مجتمعاتهم، يتم استنزاف طاقاتهم العاطفية والفكرية في صراعات وهمية خلف الشاشات.


هذا التفريط يترافق مع حالة غريبة من الغلو والتعصب الأعمى، حيث يتحول بعض المشجعين فجأة إلى وعاظ ومنظرين إذا هُزم فريق لا يحبونه، فيسارعون إلى حمد الله وشكره على هزيمته وكأنهم حققوا نصراً للدين، فإذا فاز انبروا للحديث عن المؤامرات الدولية وتحيز "الفيفا" وضياع الأموال، وفي المقابل تجد عشاق هذا النجم يجمعون لقطاته ويعددون أعماله الخيرية وكأنهم يؤرخون لسيرة مصلح أمة.


إن المتابع الواعي لتاريخ هذه اللعبة يدرك يقيناً أن النجومية فترات والسيطرة دول، فبالأمس كانت البرازيل سحر الأرض ومتعة الأعين ولم يدم لها حال، واليوم صارت من الماضي، وهكذا هي الدنيا لا تدوم لأحد.


إن كرة القدم في نهاية المطاف لعبة لها أهلها ورجالها، تعترف بقوانين السعي والجهد في الميدان، فمن اجتهد عملياً نال مبتغاه، أما الانكفاء على تبرير الفشل، وخلط الهواية بالفرض، وتحويل منافسات ترفيهية إلى قضايا عقائدية مع تضييع أركان الإسلام، فذلك مسلك عقيم يعكس أزمة وعي حقيقية، فالأمم لا تبنى بالدعاء في الملاعب وهي تفرط في طاعة ربها في المساجد.


وفي الختام، وجب التأكيد على أننا رياضيون من صلب رياضيين، ونعشق هذه اللعبة ونتنفس تفاصيلها، لكن واجباتك الدينية عليك حق لا يقبل المساومة؛ ولنا في تاريخنا الكروي المحلي أسوة حسنة، فقد كانت تقام مباريات في عدن ويتصادف توقيتها مع الأذان، فكان حكم المباراة يوقف اللعب فوراً حتى ينتهي المؤذن، ومن محاسن الصدف وعظيم البركة أن وقت إقامة الصلاة كان يصادف تماماً لحظة انتهاء المباراة أو صافرة نهاية الشوط الأول، مما يتيح للجميع اللعب والصلاة دون تفريط، فالرياضة أخلاق وقيم، وأعظم قيمها أن يبقى الخالق أولاً دائماً وأبداً.