مع حلول نجم (البلدة) من كل عام، تحزم العائلات أمتعتها وتتجه صوب السواحل، هرباً من لهيب الصيف وبحثاً عن تلك النسمة الباردة والمياه العلاجية التي يغتسل فيها الصغير والكبير؛ لكن خلف هذا المشهد السياحي البهيج، تختبئ حقيقة مريرة يواجهها مرتادو الشواطئ يوميا؛ حقيقة تتمثل في غياب تام لأدنى معايير الخصوصية والفصل، مما يحول نزهة العائلات إلى معركة يومية لحفظ الستر والكرامة.
*عشوائية تقتل البهجة*
إن الزائر لشواطئ مدينة المكلا وبقية السواحل في هذا الموسم، يصطدم بواقع تنظيمي مأساوي؛ فالمواقع المخصصة للاغتسال تفتقر تماماً للاماكن المعزولة والمستورة المخصصة للنساء، كما تغيب عنها مساحات الجلوس المستقلة التي تضمن للعائلات قضاء وقتها بحرية ودون مضايقات؛ هذا التداخل العشوائي بات يسبب حرجا بالغا وإزعاجا شديدا لكلا الجنسين؛ فالرجال يجدون أنفسهم في حرج من غياب المساحات الخاصة بهم، والنساء يقعن تحت وطأة المعاناة للبحث عن متر واحد يمنحهن الستر للاستمتاع بأجواء البحر دون أن تنتهك خصوصيتهن العيون الفضولية.
ولسان حال المواطن اليوم يقول: كيف لعائلات أن تجلس وتغتسل في شواطئ مفتوحة ومكتظة، دون وجود أبسط ساتر أو تنظيم يحمي العائلات ويحترم خصوصية المجتمع وقيمه؟
*غياب الوعي والحلول البديلة*
إن الاستمرار في إدارة موسم سياحي واجتماعي بهذا الحجم العشوائي يعكس فجوة كبيرة في التخطيط؛ لا أحد يطالب بإغلاق الشواطئ أو منع الفرح، ولكن التنظيم المخطط هو الحل؛ عبر تحديد مواقع جغرافية معزولة ومحمية للنساء، وتخصيص مساحات عائلية منظمة، ومساحات أخرى للشباب، وهو أمر يسهل تطبيقه بجهود بسيطة إن وجدت الإرادة.
*مواسم تمر، والخذلان يتكرر*
إن المؤلم حقا ليس فقط غياب هذه الخدمات الأساسية، بل هو ذلك الصمت المطبق والمزمن من قِبل السلطات المحلية والجهات المعنية؛ينتهي موسم (البلدة) كل عام بوعود شفهية، ليعود في العام التالي بذات الفوضى وذات المعاناة، وكأن كرامة المواطن وخصوصية العائلات تفصيل هامشي لا يستحق عناء التخطيط أو رصد الميزانيات؛
إلى متى ستظل السلطات واقفة في مدرجات المتفرجين، تكتفي بمشاهدة شواطئنا وهي تغرق في بحر العشوائية والاضطراب؟ لقد حان الوقت لتدرك الجهات المسؤولة أن الاستثمار في السياحة يبدأ أولا من احترام الإنسان، وأن ترك الأسر تواجه هذا الحرج السنوي دون حلول جذريّة هو خذلان حقيقي لمجتمع لا يطلب سوى حقه في الفرح بكرامة وخصوصية.