آخر تحديث :الجمعة-17 يوليو 2026-11:52م

اليمن بلد الممرات الذهبية وشعب يبحث عن لقمة العيش

الجمعة - 17 يوليو 2026 - الساعة 09:28 م
نجيب الكمالي


في زمن تتغير فيه خرائط القوة في العالم لم تعد اهمية الدول تقاس فقط بما تمتلكه من نفط وغاز وثروات طبيعية بل بما تملكه من مواقع استراتيجية تتحكم في حركة الاقتصاد العالمي

فالموانئ والممرات البحرية اصبحت اليوم من اهم مصادر القوة لانها تتحكم في طرق التجارة وانتقال السلع والطاقة بين مختلف دول العالم

واليمن يقف في قلب هذه المعادلة فهو يمتلك موقعا جغرافيا استثنائيا ويطل على باب المندب احد اهم الممرات البحرية في العالم كما يمتلك سواحل وموانئ كان يمكن ان تكون مصدرا للنهضة الاقتصادية وتحسين حياة الملايين من ابنائه

لكن المفارقة المؤلمة ان اليمن الذي يملك هذه الميزة الكبيرة ما زال يعاني فيه المواطن من الفقر وتراجع الخدمات وصعوبة الحياة

ففي الوقت الذي استطاعت فيه دول كثيرة ان تحول مواقعها الجغرافية الى فرص للتنمية والازدهار ينظر اليمنيون اليوم الى موقع بلادهم بخوف وقلق خشية ان يتحول من فرصة اقتصادية الى سبب جديد للصراع والحروب

وخلال احدى عشرة عاما من الحرب والانقسام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي دفع اليمنيون ثمنا باهظا من امنهم واستقرارهم ومستقبل اجيالهم فقد اضعفت الصراعات مؤسسات الدولة وارهقت الاقتصاد وعمقت الخلافات داخل المجتمع بينما ضاعت فرص كثيرة كان يمكن ان تحول موقع اليمن الاستراتيجي الى مصدر تنمية وازدهار

فالحروب لا تكتفي بتدمير المباني والبنية التحتية بل تترك اثارا عميقة في الانسان نفسه وتضعف الثقة بالمستقبل وتجعل الاجيال تنشأ وسط واقع من الخوف والانتظار

فالمشكلة ليست في جغرافية اليمن بل في طريقة التعامل معها فالموقع الاستراتيجي لا يكفي وحده لصناعة المستقبل بل يحتاج الى دولة مستقرة ومؤسسات قوية وادارة تعرف كيف تحول هذه الميزة الى مشاريع تخدم الناس

فالموانئ ليست مجرد اماكن ترسو فيها السفن بل هي شرايين اقتصادية يمكن ان تفتح ابواب العمل والاستثمار وتحرك الاقتصاد الوطني

والممرات البحرية ليست مجرد طرق لعبور السفن بل يمكن ان تكون جسورا للتنمية اذا وجدت الرؤية الصحيحة والادارة القادرة على تحويل الموقع الى قوة اقتصادية

لكن سنوات الصراع جعلت اهمية اليمن الجغرافية تدخل في حسابات النفوذ الاقليمي والدولي ويرى كثير من المراقبين ان جماعة الحوثي سعت الى استغلال موقع اليمن وخاصة قربه من باب المندب والبحر الاحمر ضمن حسابات مرتبطة بحلفائها الاقليميين وفي مقدمتهم ايران بدلا من ان تتحول هذه الاهمية الى مشروع وطني يخدم اليمنيين

ان مأساة اليمن ليست انه يفتقد المقومات بل انه لم يستطع حتى اليوم تحويل هذه المقومات الى قوة حقيقية فهناك دول لا تمتلك مواقع استراتيجية كبيرة لكنها نجحت لانها امتلكت مؤسسات قوية وادارة ناجحة وهناك دول امتلكت كل الفرص لكنها خسرت بسبب الصراعات والانقسامات

لكن الخروج من هذا الواقع لا يبدأ فقط من استثمار الموانئ والممرات البحرية بل يبدأ قبل ذلك من تجاوز الخلافات السياسية والعودة الى لغة العقل والحكمة

فالحروب لا تبني الاوطان والصراعات الطويلة لا تنتج الا مزيدا من الفقر والانقسام وضياع الفرص وكل يوم يستمر فيه الصراع هو يوم جديد يخسره المواطن اليمني من مستقبله

اليمن بحاجة الى ان يدرك الجميع ان الوطن اكبر من اي طرف وان الجغرافيا التي يمكن ان تكون مصدر قوة لا ينبغي ان تتحول الى ساحة صراع

فالاختلاف السياسي امر طبيعي في كل المجتمعات لكن تحويل الخلافات الى مواجهات مسلحة يدفع ثمنها الناس الذين لا علاقة لهم بصراع النفوذ

الطريق الى المستقبل يبدأ بتغليب المصلحة الوطنية والجلوس الى طاولة الحوار وبناء مؤسسات الدولة على اساس القانون والكفاءة وليس على اساس القوة والغلبة

فالحكمة ليست ضعفا والسلام ليس استسلاما بل هو الطريق الوحيد لاستعادة اليمنيين لفرصتهم في بناء بلد يستفيد من موقعه وثرواته لخدمة ابنائه

اليمنيون لا يريدون ان يكون موقع بلادهم سببا للخوف بل يريدونه جسرا نحو حياة افضل يريدون ان تتحول الموانئ الى فرص عمل وان تتحول الثروات الى خدمات وان يصبح الموقع الاستراتيجي مصدر امل لا مصدر قلق

فالجغرافيا تمنح الدول فرصة لكنها لا تصنع النجاح وحدها النجاح يحتاج الى دولة تحمي مصالح شعبها وتضع الانسان في مقدمة اولوياتها

ويبقى السؤال

كيف يمكن لبلد يمتلك مفاتيح ممرات بحرية مهمة للعالم ان يبقى شعبه يبحث عن لقمة العيش

الاجابة تبدأ من بناء دولة قادرة على تحويل هذه الجغرافيا الى تنمية لان قيمة الوطن لا تقاس فقط بما يملكه بل بما يقدمه لابنائه

فاليمن لا يحتاج الى مزيد من المعارك حول موقعه وثرواته بل يحتاج الى قرار شجاع ينهي الصراع ويعيد للعقل والحكمة مكانهما حتى تصبح الممرات الذهبية طريقا للحياة لا طريقا للمعاناة.