معلوم أنه منذ أن خُطّ أول حرف في صحف السماء المنزلة، وأُطلق أول نداء على لسان الأنبياء، والحياة تسير بقانون واحد لا يتبدل الا وهوا *(إن الله لا يكون إلا مع الحق، ولا ينصر إلا أهله)*. إنها سنة كونية لا تكذب ولن تتبدل، وهي الميزان الذي نطقت به كل التشريعات الدينية وصدحت به كل الكتب السماوية... وكذالك التاريخ لم يكذب هذا القانون يومًا، بل شهد عليه في كل صفحة من صفحاته. فما من والٍ أو حاكم أو مسؤول أو مدير أقام الحق إلا بوركت ولايته ونجحت إدارته، وما من مسؤول حاد عنه إلا سقطت هيبته وأخفقت سلطته ولفظته الأيام.
ففي هذه الحياة، حيث يُقام الحق يُقام العدل، وحيث يُرفع الحق تُرفع كرامة الإنسان، وحيث يسكن الحق في قلب امرئ سكنت معه الطمأنينة... إذا دخل الحق ديوانًا وسلطة دخل معه الإنصاف فارتاح الناس، وإذا سكن الحق مكتب مدير أو مسؤول سكنت معه البركة فاستقامت الأمور وحقق نجاحات مشهودة ... بالحق يستقيم ميزان الخير والرزق، وبالحق تعمّ البركة في القليل، وبالحق ينتصر الضعيف على أبواب السلطات، وبالحق تنهض الخدمات للمحافظات والمديريات والشعوب من كبوتها وتستعيد عافيتها. وقد حدثنا التاريخ عن قادة عدلوا فخلّدهم الناس بالدعاء، وعن مسؤولين ظلموا فمسحتهم الأيام ولم يبق منهم إلا العبرة.
فاليوم ونحن نعيش زمن المحن، نرى الحروب تقرع أبوابنا من كل جهة ... نرى صراعات محلية تمزق أوطانًا، وفتنًا داخلية تشعلها المصالح الضيقة، ومحسوبية وعنصرية ومحابات تقتل الناس قبل الرصاص... كما نرى حروبًا دولية تُسفك فيها الدماء بغير حق، وتُقصف المدن، وتغيب الخدمات، ويُشرد ويُجوع الناس،،،، بينما يظن بعض من تولوا الأمر أن الكرسي والمنصب والسلاح يصنعون البقاء. ولكن التاريخ يكرر نفسه ويحدثنا أن كل إدارة بُنيت على المحسوبية والظلم والتمييز وووووو قد زالت، وأن كل مسؤولية قامت على الظلم انهارت، وأن كل إدارة باعت الحق خسرت شعبها قبل أن تخسر منصبها.
فربما يعلو الباطل بصوته، ويتباهى بسلطته، ويظن بعض الحكام والمسؤولين أنهم يملكون القرار والمصير... لكنه والله كل ذالك سراب... فكم من قائد طغى فعزله الحق، وكم من حاكم ظلم فلفظه الناس، وكم من مسؤول ظن أن المنصب دائم فإذا به عبرة تُروى في المجالس. لأن ميزان السماء لا يميل، ولأن وعد الله نافذ في القصور كما في الأكواخ والبيوت والمكاتب.
أما الحق فهو كالنور في دروب الحياة. قد يُحاصر في أروقة الإدارات والمكاتب ووو، وقد يُتهم في المجالس، وقد يُؤجل ويُحارب في المعاملات، لكنه لا يموت... وإن غاب برهة عاد أقوى، لأن الذي معه هو الله. وكم من حاكم خاف الله فأحبه أهله والناس جميعا ، وكم من مدير أنصف فبارك الله في عمله، وكم من مسؤول تمسك بالحق فجاءه التمكين والنجاح من حيث لا يحتسب. والتاريخ يشهد أن الشعوب والمجتمعات لا تنسى من عدل لها، كما لا تغفر لمن ظلمها.
هكذا قالتها التوراة، وصدّقها الزبور، وأكّدها الإنجيل، وختمها القرآن، لتعلّم الإنسان في كل زمان ومكان أن العاقبة للمتقين، وأن النصر مع الحق والصبر، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ... وهذا ايضا ما أكده التاريخ صفحاتٍ تلو صفحات، في سجلات الملوك والوزراء والمدراء والمحافظين ووووالخ فلم نرَ باطلاً دام، ولم نرَ حقاً ضاع.
فلا تخف أيها الانسان ايا" كان موقعك إن كنت مع الحق وحدك، ولا تخف أيها المسؤول إن اخترت الحق ولو خالفتك المصالح... ما دام الله معك فأنت الغالب والناجح ، وما دام الحق حيّا في قرارك فالخير قادم للجميع ، والبركة نازلة، والتمكين وعد مكتوب في صفحات الأيام باذن الله، ولو بعد شدة وتاخير ... والتاريخ أمامك اليوم، فاختر أن تُكتب في صفحة العدل لا في صفحة الظلم.
((اللهم اجعلنا في هذه الحياة من أهل الحق، ومع الحق، وللحق. اللهم وفّق كل من تولى أمر بلادنا .. مديرية أو محافظة أو أمة إلى الحق والعدل، وارفع عن ديارنا وعن ديار المسلمين ويلات الحروب، وأوقف نزيف الدماء، وأبدل الخوف أمنًا، والجوع شبعًا، والفرقة وئامًا، واجعل العاقبة لأهل الحق حيث كانوا، كما أثبت ذلك تاريخ الأمم من قبلنا...