يأخذنا الكاتب القدير والرمز الصحفي المتميز منصور عامر في جولته الساخرة والعميقة "خبابير عن كأس العالم 12" ليقدم لنا لوحة صحفية بالغة الثراء والاتساع، حيث يطوع قلمه السيال ليرسم تفاصيل المونديال بأسلوب فريد يمزج فيه بين عبق المقاهي الشعبية ودهاليز الملاعب العالمية، مبرهنا على امتلاكه عينا ثاقبة تلتقط المفارقات وتصيغها بذكاء نادر يسلب عقول القراء.
يبدأ الكاتب هذه الرحلة الممتعة من داخل أحد المقاهي الشعبية، واصفا مشهدا حيا لشيخ سبعيني يحتسي الشاي ويتدخل بوقار وحكمة ليفسر للشباب الثائرين معنى تقنية الفيديو المساعد "الفار"، في خلط كوميدي وسياسي بارع بين حكم المباراة والحاكم السياسي، معتبرا أن "الفار" قد وصل من أمريكا ليكون سببا في خراب الأمة كما تخرب سد مأرب، وربط ذلك بتهكم واضح بعهد دونالد ترامب، مما حول شجارا كاد ينشب بين مشجعي ميسي ورونالدو إلى نوبة من الضحك والبهجة التي عمت المقهى بأكمله.
ثم ينتقل بنا الكاتب ببراعة وسلاسة إلى كواليس المنتخبات الأوروبية، مسلطا الضوء على تصريحات مدرب فرنسا ديدييه ديشان الساخرة والمبطنة قبل خروج فريقه، حيث تمنى تهكما أن يكون التحكيم دائما بمستوى مباراتي مصر والأرجنتين، ليربط الكاتب ذلك بالخسارة الفرنسية المريرة أمام إسبانيا التي أطاحت بأحلام الديوك برياح أندلسية عاتية، وهنا يبرز الكاتب قصة النجم الواعد ذي الأصول المغربية لامين يامال، الذي توهج في اللقاء وفاء لعهد قطعه لجدته بأن يهزم فرنسا ثأرا لخسارة المغرب السابقة، ليتحقق مراده ويثبت أن بعض المباريات لا تلعب بالأقدام بل بالروح والقلب والدافع الإنساني العميق.
ولا يغفل الكاتب توثيق اللحظة الإنسانية المؤثرة التي تلت المباراة، حين اتصل يامال بجدته ليزف إليها البشرى، فتعالت زغاريد الفرح وعمت البهجة قلوب المغاربة والعرب جميعا، مؤكدة على اللحمة القومية والمشاعر الصادقة التي توحد الشعوب خلف الإنجازات الملهمة.
وفي الشق الأخير من هذا التحليل الوافي، يرحل بنا قلم منصور عامر إلى أمريكا الجنوبية، ناقلا التصريحات الساخنة واللاذعة للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا عقب خروج منتخب السامبا من دور الستة عشر، حيث يستعرض الكاتب بتهكم زيارة الرئيس لمعهد تكنولوجي في ساو باولو واقتراحه الكوميدي بتقديم روبوت صممه الطلاب يلعب كرة القدم بخشونة وإصرار كإصدار خاص للمدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، لعل هذا الروبوت الشرس الشبيه بهالاند ومبابي يعيد كأس العالم إلى البرازيل.
ويختتم الكاتب مقالته بنقد لاذع وجهه الرئيس البرازيلي لغياب روح المسؤولية والانتماء لدى نجوم المنتخب، مبينا بمرارة كيف سافر الفريق ببعثة رسمية ضخمة إلى المونديال، في حين لم يعد على متن الطائرة الرسمية إلى أرض الوطن سوى لاعب واحد فقط، بينما طار بقية النجوم مباشرة إلى وجهات أخرى للاستمتاع بعطلاتهم الخاصة، وهو موقف مخجل أثار غضب الجماهير البرازيلية.
إن هذا السرد المتكامل والتناول الدقيق لكل تفاصيل المونديال يثبت شهادة ميلاد جديدة لقلم الكاتب منصور عامر، الذي نجح في صياغة مقال لا يكتفي بنقل الخبر الرياضي، بل يغوص في أبعاده الاجتماعية والسياسية والنفسية بأسلوب ممتع ورصين يستحق عليه كل الثناء والتقدير.