عندما ترتفع الأسعار في بلد ما، فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم حجم الموارد المتاحة؟ بل: كيف تُدار هذه الموارد؟ وفي الحالة اليمنية يبدو أن الأزمة تتجاوز شح الإمكانات، لتصل إلى أزمة إدارة اقتصادية غابت عنها الرؤية طويلة المدى.
فاليمن ليس بلداً بلا موارد؛ فهو يمتلك موقعاً استراتيجياً، وثروات نفطية وغازية، وسواحل واسعة، وقطاعاً خاصاً كان قادراً على تحريك جزء مهم من النشاط الاقتصادي. لكن الثروات وحدها لا تصنع اقتصاداً قوياً، ما لم توجد مؤسسات وسياسات تحولها إلى إنتاج وفرص عمل واستقرار معيشي.
ما يحدث اليوم هو اختلال في أهم قواعد الاقتصاد: ارتفاع تكاليف الإنتاج، تراجع القوة الشرائية، انكماش الاستثمار، وضعف ثقة السوق.
فعندما يرتفع سعر الوقود لا ترتفع تكلفة النقل فقط، بل ترتفع تكلفة كل سلعة وخدمة مرتبطة به. فالديزل في اليمن ليس مجرد مادة للاستهلاك، بل أحد أهم مدخلات الإنتاج في النقل والزراعة والصناعة والطاقة.
ولهذا فإن وصول سعر صفيحة الديزل سعة 20 لتراً إلى نحو 39 ألف ريال يمني، في الوقت الذي لا تتجاوز فيه رواتب بعض المتعاقدين في القطاع الحكومي 38 ألف ريال، يكشف حجم الاختلال بين الأسعار ومستويات الدخل.
اقتصادياً، تعرف هذه الحالة بـ"تضخم التكاليف"، حيث تنتقل زيادة تكلفة الإنتاج إلى المستهلك النهائي، فتزداد الأسعار بينما تتراجع القدرة الشرائية، فتدخل الأسواق في دائرة من الركود والتضخم.
ولهذا فإن أزمة السوق اليمنية اليوم ليست فقط في توفر السلع، بل في وجود مستهلك قادر على شرائها. فالتاجر لا يخسر فقط عندما لا يجد البضاعة، بل يخسر عندما يجدها ولا يجد من يشتريها.
وهذا يفسر ظاهرة إغلاق كثير من المحلات التجارية؛ فضعف الطلب أصبح أحد أكبر التحديات التي تواجه القطاع الخاص.
فالقطاع الخاص لا يحتاج فقط إلى تسهيلات مالية، بل يحتاج إلى بيئة مستقرة تحمي الاستثمار. وفي الاقتصاد قاعدة معروفة: رأس المال يبحث عن الثقة قبل الربح.
وعندما تصبح الإجراءات معقدة، والرسوم غير مستقرة، والقرارات الاقتصادية غير مدروسة الأثر، فإن المستثمر يميل إلى تقليل نشاطه أو تجميد مشاريعه.
كما أن بعض القرارات الاقتصادية، حتى وإن كانت تهدف إلى زيادة الإيرادات العامة، تحتاج إلى النظر في توقيتها وبيئتها. فالإصلاحات المالية تنجح عندما تأتي ضمن منظومة متكاملة تشمل حماية اجتماعية، وتحسين الإنتاجية، ودعم الفئات الأكثر تأثراً.
فرفع التكاليف في اقتصاد مستقر يختلف تماماً عن رفعها في اقتصاد يعاني من انخفاض الدخل وارتفاع البطالة وتراجع النشاط الإنتاجي.
وينطبق الأمر نفسه على تعرفة الكهرباء؛ فالمعيار الحقيقي ليس مقارنة السعر بدول أخرى، بل مقارنة السعر بمتوسط دخل المواطن. فالرقم الذي قد يكون مقبولاً في اقتصاد مرتفع الدخل قد يصبح عبئاً كبيراً في اقتصاد منخفض الدخل.
لكن المشكلة الأعمق ليست فقط في القرارات الاقتصادية، بل في غياب التخطيط المبني على البيانات.
فلا يمكن لأي دولة أن تضع سياسات ناجحة لمكافحة الفقر أو البطالة أو توزيع الخدمات دون معرفة دقيقة بعدد السكان، ومستويات الدخل، واحتياجات المناطق.
والمفارقة أن آخر تحديث شامل للتعداد السكاني يعود إلى عام 2004، فكيف يمكن التخطيط التنموي في عام 2026 دون قاعدة بيانات حديثة؟
الدول لا تدير اقتصادها بالتقديرات، بل بالمعلومات. والقرار الاقتصادي الذي لا يستند إلى بيانات دقيقة قد يعالج مشكلة مؤقتة لكنه يصنع مشكلات أكبر في المستقبل.
إن معالجة الأزمة اليمنية لا تبدأ فقط بالمساعدات أو القروض، بل بإعادة بناء الإدارة الاقتصادية نفسها.
ويبدأ ذلك بتحديث قواعد البيانات الوطنية، وحماية القطاع الخاص المنتج، وتسهيل الاستثمار عبر نافذة موحدة، وتقليل البيروقراطية، وتوسيع الخدمات الإلكترونية، ومنح حوافز للمشاريع التي توفر فرص عمل.
كما يتطلب مراجعة القرارات الاقتصادية وفق دراسات أثر مسبقة، بحيث لا تكون زيادة الإيرادات الحكومية على حساب انكماش السوق وتراجع النشاط الاقتصادي.
فاليمن بحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الاقتصاد؛ لأن الدول لا تنهض فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى إنتاج وثقة وفرص.
ويبقى السؤال قائماً: هل يعاني اليمن من أزمة اقتصاد فقط؟ أم أن جزءاً كبيراً من أزمته هو أزمة إدارة؟