آخر تحديث :الأربعاء-29 يوليو 2026-12:13ص

من أفغانستان إلى أوكرانيا والشرق الأوسط: استراتيجية تجنيد الوكلاء وإعادة توزيع أعباء الهيمنة الأمريكية

الخميس - 16 يوليو 2026 - الساعة 05:20 م
د. جمال الهاشمي


يمر النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط بمنعطف بنيوي حاسم يعيد إلى الأذهان أدوات الحرب الباردة حيث تشير القراءة الواقعية للمشهد العسكري والسياسي إلى تراجع قدرة الولايات المتحدة وتراجع رغبتها في خوض حروب استنزاف كبرى بصورة منفردة ضد إيران وحلفائها.

وبدلا من المواجهة المباشرة والمكلفة تسعى واشنطن اليوم إلى إعادة تفعيل عقيدتها التاريخية القائمة على تجنيد الوكلاء الإقليميين. وهو سيناريو يحاكي إلى حد كبير الكيفية التي أدارت بها الولايات المتحدة تعبئة عدد من الدول العربية والإسلامية لدعم الحرب في أفغانستان خلال ثمانينيات القرن الماضي في مواجهة الاتحاد السوفيتي. وقد أعقب تلك المرحلة تحولات سياسية وأمنية واسعة كان من أبرزها تصاعد الضغوط والاتهامات التي وجهت إلى عدد من الدول وفي مقدمتها السعودية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر رغم دورها السابق في دعم الجهود المناهضة للشيوعية في أفغانستان وغيرها من الساحات.

وفي تلك الحقبة نجحت واشنطن في نقل جزء كبير من الكلفة البشرية والمادية والسياسية إلى أطراف أخرى من دول العالم الإسلامي وروجت بعض تيارات الإسلام السياسي آنذاك لفكرة القتال إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة الشيوعية مستندة إلى تأويلات دينية اعتبرت تلك المواجهة جهادا ضد العدو المشترك. وقد ترك ذلك التحالف آثارا عميقة على البنية السياسية والمجتمعية في عدد من الدول الإسلامية.

وتحاول اليوم إعادة تطبيق المنهج ذاته عبر السعي إلى توظيف القوى الإقليمية الكبرى وفي مقدمتها دول الخليج العربي وتركيا والعراق ولبنان والأردن وسوريا لتكون خط الدفاع الأول والذراع التنفيذية لسياسة احتواء إيران وحزب الله دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى دفع أثمان باهظة من دماء جنودها أو مواردها المالية.

ولاستحضار الذاكرة القريبة فان نتائج الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 أفضت إلى اتساع النفوذ الإيراني داخل العراق بصورة غير مسبوقة وهو ما يعده عدد من الباحثين أحد أبرز النتائج الاستراتيجية غير المقصودة للسياسة الأمريكية في المنطقة.

وعلى النهج ذاته تتجه الضغوط الأمريكية الحالية نحو عواصم الخليج في محاولة لتحويل هذه الدول إلى منصة رئيسة لتمويل وإدارة الصراع بالإضافة إلى تعزيز الاعتماد على قواعدها العسكرية في المنطقة.

فالولايات المتحدة التي لم تتمكن تحالفاتها البحرية حتى الآن من إنهاء التهديدات الحوثية في البحر الأحمر بصورة كاملة تعمل على دفع المملكة العربية السعودية مجددا إلى واجهة المواجهة في اليمن تحت شعار حماية أمن الخليج رغم أن مواقفها السابقة لم تكن منسجمة دائما مع أهداف استعادة الدولة اليمنية وحماية حليفتها الاستراتيجية في مواجهة التهديدات الإقليمية.

وفي المقابل انسجمت السياسة الأمريكية مع إسرائيل في دعم أهدافها الاستراتيجية في المنطقة وهو ما يراه كثير من المراقبين متجاوزا لمبدأ حماية الأمن إلى إعادة تشكيل موازين القوى على حساب لبنان وسوريا وفلسطين.

وهو ما أدى إلى تكريس نزعات التطرف في المنطقة العربية والشرق الأوسط بين نزعات معلنة وأخرى كامنة في ظل غياب الدولة في مناطق الطوق ودول الأزمات التي أصبحت عبئا إقليميا ودوليا.

ومع فراغ كثير من الدول من مؤسساتها السياسية الفاعلة أصبح ذلك يفتح المجال لتحولها إلى أدوات تخدم مصالح إقليمية ودولية وهو ما يعكس حجم التنافس على الثروة والسلطة داخل الدول الهشة.

وعند التمعن في المشهد يتضح أن الهدف يتمثل في نقل عبء المواجهة إلى القوى الإقليمية بما يؤدي إلى استنزافها عسكريا واقتصاديا ويخفف في الوقت نفسه من الكلفة المباشرة التي تتحملها واشنطن.

غير أن الوعي الخليجي الراهن يبدو أكثر إدراكا لتجارب الماضي فالقيادة السعودية تدرك أن تعريض مدنها الاقتصادية الكبرى ومشاريعها الاستراتيجية وفي مقدمتها رؤية 2030 لخطر الصواريخ والمسيرات يمثل مخاطرة كبيرة لا تنسجم مع أولوياتها التنموية ولذلك تواصل تبني مسارات التهدئة والدبلوماسية إلى جانب تعزيز قدراتها الدفاعية وتطوير قنوات التواصل المباشر مع طهران بالإضافة إلى دفعها السلطة الشرعية اليمنية نحو تبني إصلاحات واقعية تتناسب مع هدف بناء الدولة المدنية.

غير أن عجز القوى اليمنية عن تقديم مبادرات وطنية وغياب رؤية سياسية وأمنية واضحة تستوعب المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية يجعل اليمن أكثر عرضة لمخاطر التفكك. كما أن استعادة الدولة بالشكل الذي كانت عليه قبل الوحدة لم تعد تبدو سيناريو مرجحا في ظل المعطيات الحالية وقد يفتح ذلك الباب أمام خرائط نفوذ جديدة تستند إلى توازنات إقليمية ودولية متغيرة بدلا من إنهاء الصراع.

وعلى الجبهة الشمالية لا يقل المسعى الأمريكي تجاه تركيا تعقيدا حيث تحاول واشنطن الاستفادة من الثقل العسكري لأنقرة وعضويتها في حلف الناتو إلى جانب التنافس التركي الإيراني في الملفين السوري والعراقي بهدف دفع تركيا إلى الانخراط بصورة أوسع في احتواء النفوذ الإيراني.

وتسعى الاستراتيجية الأمريكية كذلك إلى توظيف الموقع الجغرافي لتركيا باعتباره ممرا مؤثرا في خطوط الإمداد الإقليمية مع الاستفادة من التحولات الجارية في البيئة الأمنية المحيطة بها.

ومع ذلك تواصل القيادة التركية الحفاظ على هامش واسع من الاستقلال في قرارها الاستراتيجي وتحرص على موازنة علاقاتها الإقليمية بما يخدم مصالحها الوطنية بعيدا عن الانخراط في مواجهة مفتوحة لا تحقق لها مكاسب مباشرة.

وهذه السياسة الأمريكية القائمة على توزيع الأعباء الاستراتيجية وتصدير كلفة الصراعات لم تعد آثارها مقتصرة على الشرق الأوسط بل امتدت إلى أوروبا التي بدأت تدرك تحت وطأة التطورات الاقتصادية والأمنية حجم التحديات التي فرضتها الحرب الأوكرانية وانعكاسات الاصطفاف الكامل خلف السياسات الأمريكية.

كما أن الانحياز الغربي لإسرائيل في الشرق الأوسط فرض على عدد من الدول الأوروبية تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة انعكست على أمن الطاقة والاستقرار الداخلي وأسهمت في تصاعد موجات الاستقطاب السياسي والضغوط الاجتماعية في حين تبقى الولايات المتحدة بعيدة نسبيا عن كثير من التداعيات المباشرة بحكم موقعها الجغرافي.

وبالمنطق ذاته ينظر عدد من المحللين إلى الدعم الأمريكي طويل الأمد لأوكرانيا باعتباره جزءا من استراتيجية استنزاف روسيا عبر حرب طويلة تقوم على بناء قدرات عسكرية أوكرانية متقدمة بدعم غربي مستمر بما يجعل أوكرانيا نقطة ارتكاز رئيسة في مواجهة موسكو.

وقد أدى هذا المسار إلى تحمل الدول الأوروبية أعباء اقتصادية وعسكرية كبيرة تمثلت في ارتفاع الإنفاق الدفاعي وتراجع الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية وما رافق ذلك من تحديات أثرت في القدرة التنافسية لعدد من الاقتصادات الأوروبية.

وفي ضوء هذه التحولات يبدو أن الوعي الأوروبي يتقاطع بصورة متزايدة مع الحذر الذي تبديه دول الخليج وتركيا حيث تتجه العديد من العواصم إلى إعادة تقييم طبيعة شراكاتها الاستراتيجية والسعي إلى تعزيز قدر أكبر من الاستقلال في قراراتها السياسية والأمنية انطلاقا من فكرة الحفاظ على المصالح الوطنية وهو ما يتطلب موازنة التحالفات وعدم الانجرار إلى صراعات طويلة قد تتحمل الدول الإقليمية كلفتها الأكبر بينما تسعى القوى الكبرى إلى الحفاظ على موقعها في النظام الدولي.

.