ليس من الصعب أن تبحث عن أسباب تدهور الاقتصاد، فالمشكلة ليست في فقر البلاد بقدر ما هي في سوء إدارة مواردها. فالوطن الذي تُستنزف موارده في أبواب إنفاق لا تضيف قيمة حقيقية للمواطن، لا يمكن أن ينتظر ازدهاراً أو تنمية مستدامة.
عندما تُصرف الملايين على الإعاشات والمخصصات، وتُرصد الميزانيات لمجالس لا يلمس المواطن أثرها في حياته، وتتعدد الجبايات والضرائب حتى أصبحت عبئاً على التاجر والمواطن، فإن السؤال المنطقي يفرض نفسه: أين تذهب كل هذه الأموال؟
ولو أُعيد توجيه ما يُنفق على الإعاشات، ومخصصات مجلس النواب، ومجلس المستشارين، وغيرها من أبواب الإنفاق غير الضرورية، مع إحكام الرقابة على الجبايات والضرائب، لأمكن توجيه تلك الموارد إلى التعليم والصحة والبنية التحتية ودعم الاقتصاد الحقيقي. عندها سيجد المواطن فرصة عمل، وستدور عجلة الإنتاج، وسيقل الفقر والجوع.
والمثال الساخر أن بعض المؤسسات أصبحت أشبه بحافلة تتسع لعشرة ركاب، لكنها تحمل خمسين راكباً، ليس لأن الطريق يحتاجهم، بل لأن كل واحد يريد مقعداً مجانياً. والنتيجة أن الحافلة لا تتحرك، بينما يقف الناس في المحطة ينتظرون الوصول الذي لا يأتي.
إن الاقتصاد لا ينهض بكثرة الشعارات، بل بحسن إدارة المال العام. وكل ريال يُهدر في غير موضعه هو لقمة تُنتزع من فم جائع، أو دواء يُحرم منه مريض، أو مدرسة تُحرم من البناء، أو مشروع يتوقف قبل أن يبدأ.
إن إصلاح الاقتصاد يبدأ من وقف الهدر، وترشيد الإنفاق، وربط المال العام بالمصلحة العامة، لا بالمناصب والامتيازات. فالدول تُبنى بالإنتاج، لا بالإعاشات، وتزدهر بالعمل، لا بتضخم المخصصات.
ولعل أكبر مفارقة أن المواطن هو من يدفع الثمن مرتين؛ مرة عندما تُجبى منه الأموال، ومرة عندما لا يجد مقابلها خدمة أو تنمية. وهذه معادلة لا تنتج إلا مزيداً من الفقر، بينما يظل الوطن قادراً على النهوض إذا وُضعت موارده في المكان الصحيح.