لقد تحولت الحرب التي يخوضها الحوثيون مع خصومهم في الداخل أو الخارج إلى إطار سياسي تستمد منه الجماعة أسباب بقائها واستمرارها.
وكلما تعقدت الأزمات الداخلية واتسعت الفجوة بين السلطة والمجتمع تصاعد الخطاب العسكري واتسعت دوائر المواجهة الإقليمية.
وهنا لم تعد الحرب نتيجة للأزمة بقدر ما أصبحت وسيلة لإدارتها وأداة لإعاقة الحلول ومنع تشكل الدولة المدنية أو استعادة الدولة الصورية السابقة.
وتبين التجارب التاريخية أن الحركات المسلحة التي تصل إلى السلطة بقوة السلاح أو بحيل التوظيف الديني ومعتقدات الإسلام السياسي أو توظيف الايدلوجيات الوافدة بكل صورها وافكارها الوافدة تواجه تحديا مختلفا بعد انتهاء مرحلة السيطرة العسكرية أو السياسية وبسبب اختلال معتقداتها وافكارها مع الواقع ومتطلبات الدولة تتحول من جماعة سياسية أو مقاتلة إلى سلطة مطالبة بإدارة الاقتصاد، وتقديم الخدمات، وبناء المؤسسات وإنتاج شرعية سياسية مقبولة.
وعندما تعجز عن تحقيق هذه التحولات يصبح استمرار الصراع خيارا يوفر لها فرصة للهروب من مساءلة الداخل وفي احيان كثيرة تندمج مع كيان الدولة القائمة وتتوزع حينها بين مقاسمة النفوذ والشراكة من جهة والمعارضة من جهة أخرى.
وبذلك تحول اهتمام المجتمع من التنمية والدولة الى التهديدات الخارجية بدلا من تقييم الأداء الداخلي وتأسيس الدولة العادلة.
وفي الحالة اليمنية، تبدو هذه المعادلة أكثر تعقيدا لأن الأزمة لا تقتصر على جماعة الحوثي وحدها،وإنما ترتبط بمشهد سياسي وأمني تشكل عبر سنوات من انهيار الدولة وصعود الفاعلين المسلحين. وقد أفرزت الحرب تعددا في الميليشيات وتناميا لنفوذ أمراء الحرب وظهور مراكز قوى عسكرية وسياسية متنافسة لكل منها مشروعها الخاص ومصالحها ومصادر تمويلها وعلاقاتها الإقليمية.
وفي مثل هذا الواقع تتراجع الدولة المرجعية الجامعة لتحل محلها سلطات الأمر الواقع والجهويات الجغرافية .
ولم يعد الخلاف يدور حول إدارة الدولة فحسب وإنما حول تعريفها داخل الدولة وصيغ تصورها الايدلزجي للدولة .
فكل قوة سياسية أو عسكرية تكاد تقدم تصورا مختلفا للدولة المدنية يخضع لمرجعيتها الفكرية أو المذهبية أو الأيديولوجية أو المناطقية.
وبدلا من أن تكون الدولة إطارا وطنيا فوق الانتماءات وعدلية تستمد شرعيتها من قيمها أصبحت في كثير من الأحيان موضوعا للصراع بين مشاريع متنافسة يحاول كل فصيل منها إعادة تشكيلها بما يتوافق مع رؤيته الخاصة.
وهكذا يتحول مفهوم الدولة المدنية من مشروع وطني جامع إلى مفهوم متنازع عليه وبذلك يفسره كل طرف وفقا لمصالحه وأيديولوجيته.
وفي هذا السياق يجد الحوثيون في استمرار الحرب بيئة مناسبة لتأجيل الأسئلة المرتبطة بشرعية الحكم تماما كما تجد قوى مسلحة أخرى في استمرار الانقسام مبررا لبقاء تشكيلاتها العسكرية خارج إطار المؤسسات الرسمية.
فاقتصاد الحرب لا يخدم طرفا واحدا بعينه وإنما يخلق شبكات من المصالح المعقدة التي يستفيد منها أمراء الحرب وبعض النخب السياسية والفاعلون المسلحون الذين ترتبط مصالحهم باستمرار حالة اللاسلم واللاحرب.
ومن هنا يمكن فهم حرص الحوثيين على إبقاء اليمن جزءا من الصراعات الإقليمية سواء تحت شعار مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل أو غيرهما وبنفس السياق تسير المكونات الأخرى داخل الدولة.
كون الصراع الخارجي يمنح الجماعة مساحة لإعادة إنتاج خطابها التعبوي ويخفف من الضغوط الداخلية ويؤجل النقاش حول طبيعة السلطة ومستقبل الدولة.
كما أن ربط الجبهة اليمنية بالقضايا الإقليمية يمنحها أهمية تفاوضية تتجاوز حدود الواقع اليمني.
غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت نفسه مخاطر متزايدة.
فكلما توسعت دائرة المواجهة الخارجية ارتفعت احتمالات تعرض اليمن لضغوط عسكرية واقتصادية أكبر وهو ما يضاعف معاناة السكان ويؤخر فرص إعادة الإعمار كما يؤثر على مشاريع المجتمعات في الدول المجاورة نحو العمل على خلق نموذج الانتحار الجماعي دون معايير قيمية أخلاقية تستمد من منظومة القيم وشرائعها.
أن تحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية يجعل مستقبل الدولة اليمنية أكثر ارتباطا بحسابات القوى الخارجية من ارتباطه بالإرادة الوطنية وهذا عين ما يفسره تحركات القوى داخل اليمن التي تدار عن بعد دون أن تقدم فلسفة عامة ومشروع واضح تقاتل من أجله لاستعادة الدولة .
إن المعضلة الحقيقية التي تواجه اليمن اليوم ليس في استمرار الحرب وإنما في استمرار الثقافة السياسية التي تمنح السلاح شرعية تعلو على شرعية الدستور وتمنح الجماعة أولوية على الدولة والولاء الأيديولوجي أو المذهبي أو المناطقي أولوية على المواطنة. وطالما بقيت الميليشيات، وأمراء الحرب والمشاريع العقائدية المتنافسة، ينظرون إلى الدولة باعتبارها أداة لخدمة مشروعهم الخاص وفيئا وغلولا لنزواتهم وليس إطارا وطنيا يحتضن الجميع فإن أي سلام سيظل وهما وأية تسوية ستكون معرضة للانهيار وإعادة الصراع وتجذيره بحثا عن دعم خارجي أو طلبا للمساعدات الإنسانية بالدبلوماسية والأخوة أو بالقوة والحرب في أسوأ فلسفة سياسية تتنافس مع قيم الإسلام ونظامه.
إن بناء الدولة المدنية في اليمن لا يبدأ بتقاسم السلطة بين القوى المتصارعة وإنما بإعادة الاعتبار لمبدأ احتكار الدولة للسلاح وترسيخ المواطنة المتساوية وإخضاع جميع الفاعلين السياسيين والعسكريين لسلطة القانون وفصل المشروع الوطني عن المشاريع الأيديولوجية العابرة للحدود.
وهذا يتطلب نموذجا قائدا يجمع بين القدرة العسكرية والشرعية السياسية والقبول الجماهيري .
إن الدولة المدنية ليست شعارا سياسيا كما تروج له الاحزاب اليمنية التي لم تعي معناه في الواقع وإنما هي منظومة قانونية ومؤسسية لا يمكن أن تتعايش مع تعدد الجيوش أو ازدواجية السلطة أو تعدد الطبقات أو احتكار الحقيقة باسم العقيدة أو السلالة أو الثورة.
إن أخطر ما تواجهه اليمن اليوم ليس استمرار الحرب فحسب وإنما تحول الحرب إلى وسيلة دائمة لإدارة السياسة وإلى مصدر للشرعية والاقتصاد والسلطة. وعندما تصبح الحرب ضرورة لبقاء الفاعل السياسي فإن السلام يتحول بالنسبة لمفهومه تهديدا وجوديا.
ولهذا فإن استعادة اليمن لن تبدأ من إنهاء المعارك بالقوة والحزم وإنما ايضا من إعادة بناء مفهوم الدولة الوطنية المدنية باعتبارها المرجعية الوحيدة التي تتقدم على الميليشيا وعلى الجماعة وعلى المكونات وعلى الأيديولوجيا وعلى كل أشكال السلطة الموازية.