آخر تحديث :الثلاثاء-14 يوليو 2026-02:54ص

ليس المطلوب أن يتقدم أحد... بل ألا يتأخر أحد!

الإثنين - 13 يوليو 2026 - الساعة 08:46 م
د. سمير أحمد بوست


في أحد الأيام...

رأيت معلماً يوزع الجوائز على طلابه.

كان الأطفال يصفقون بفرح لكل من نادى المعلم اسمه، حتى لفت انتباهي طفل يقف في آخر الصف.

لم يغضب...

ولم يعترض...

وظل يشارك زملاءه فرحتهم، ويصفق للجميع.

لكن بعد أن انتهى كل شيء، رفع يده وسأل بهدوء:

"أستاذ... هل نسيتني، أم أن دوري لم يأتِ بعد؟"

ظل هذا السؤال يرافقني طويلاً.

ليس لأنه كان سؤال طفل...

بل لأنه سؤال قد يطرحه أي إنسان حين يشعر أن مكانه بدأ يبتعد عنه.

وأحياناً...

تشبه الأوطان ذلك الصف.

فليس مؤلماً أن ينجح غيرك.

ولا أن يتقدم من يستحق.

فالنجاح حين يكون مستحقاً يفرح له الجميع.

لكن الألم يبدأ عندما يتكرر الشعور بأن الفرصة تمر دائماً من أمام بعض الناس، ولا تتوقف عندهم.

وهنا لا يعود الحديث عن منصب...

ولا عن اسم...

ولا عن محافظة...

بل عن معنى أعمق اسمه الإنصاف.

فالإنسان لا يريد أن يُفضَّل على غيره...

إنما يريد أن يطمئن أن الباب سيفتح له أيضاً إذا امتلك الكفاءة واستحق المسؤولية.

ولهذا، فإن قوة الدولة لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على أن تجعل كل مواطن يشعر أن مستقبله لا تحدده الجغرافيا، ولا الانتماءات، ولا العلاقات، وإنما يحدده عطاؤه وكفاءته.

ومن هنا، فإن كل شعور يتحدث اليوم عنه بعض أبناء شبوة، أو أي محافظة أخرى، يستحق أن يُسمع بهدوء واحترام.

لا لأنه اعتراض على نجاح الآخرين...

ولا لأنه مطالبة بإقصاء أحد...

بل لأنه تعبير عن رغبة مشروعة في أن يبقى ميزان الفرص متوازناً، وأن يشعر الجميع بأن الدولة تتسع لكل أبنائها.

فشبوة ليست وحدها التي تستحق الإنصاف...

كما أن عدن ليست وحدها التي تحمل مسؤولية الوطن، وكل محافظة في الوطن، ليست منافسة للأخرى...

بل شريكة لها.

والوطن لا يكتمل إلا بجميع أبنائه.


ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه مؤسسات الدولة اليوم، هو أن تعزز ثقة الناس بأن الكفاءة هي المعيار، وأن الفرصة لا تسأل صاحبها:

من أين أتيت؟


بل تسأله:

ماذا تستطيع أن تقدم؟


وحين يشعر المواطن أن هذا هو الميزان الحقيقي، تهدأ النفوس، وتختفي كثير من مشاعر الاحتقان، لأن العدالة لا تحتاج إلى ضجيج...

بل تحتاج إلى أن تُرى في الواقع.


ولذلك، فإن الحديث عن الإنصاف ليس دعوة إلى المحاصصة، ولا بحثاً عن مكاسب خاصة، بل دعوة إلى بناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء، وأن لكل مجتهد مكاناً، ولكل كفاءة فرصة، ولكل محافظة نصيباً عادلاً من الحضور والمشاركة.


وأحسب أن عدن، بتاريخها الكبير، كانت ولا تزال مدينةً تتسع لكل من يسهم في بنائها، وتزداد قوةً وجمالاً كلما شعر أبناؤها، وكل من يعمل فيها، أن الكفاءة هي المعيار، وأن العدالة لا تفرق بين الناس.


كما أن شبوة، وغيرها من المحافظات، لم تطلب يوماً أكثر من حقها في أن ترى أبناءها الأكفاء يسهمون في خدمة وطنهم، جنباً إلى جنب مع إخوانهم من مختلف المحافظات.


وفي النهاية...

أحلم بوطنٍ لا يضطر فيه طفل، ولا شاب، ولا محافظة، أن تسأل:

"هل نسيتمونا؟"


بل بوطنٍ يعرف فيه الجميع أن دورهم سيأتي، متى استحقوه.


لأن الدول العادلة لا تجعل أبناءها يتنافسون على الشعور بالانتماء...


بل تجعلهم يتنافسون على خدمة الوطن.


وعندما يشعر كل مواطن أن مكانه محفوظ، وأن كفاءته تجد طريقها، يربح الجميع؛ فلا تخسر محافظة لتنجح أخرى، ولا يضعف جزء ليقوى جزء، بل يكبر الوطن كله بعدالة تتسع للجميع.


فليس المطلوب أن يتقدم أحد على حساب أحد...

بل ألا يتأخر أحد عن حقه.