آخر تحديث :الإثنين-13 يوليو 2026-12:04ص

ماذا لو تقدمت القدس بطلب هجرة .. كيف تحولت عاصمة فلسطين إلى ضحية للنموذج السياسي والاقتصادي الفلسطيني؟

الأحد - 12 يوليو 2026 - الساعة 09:47 م
غسان جابر


ماذا لو استيقظ العالم ذات صباح على خبر عاجل يقول:

"مدينة القدس تقدمت بطلب هجرة."

قد يبدو الأمر أقرب إلى الخيال الأدبي منه إلى التحليل السياسي، لكن ربما لا توجد مدينة في العالم تمتلك أسباباً للهجرة أكثر من القدس نفسها.

مدينة أرهقتها الإمبراطوريات، وتناوبت عليها الجيوش، وحملت فوق حجارتها أوزان التاريخ والعقائد والسياسة أكثر مما تستطيع مدينة احتماله.

وربما لو جلست القدس أمام موظف الهجرة وسألها عن سبب طلب الرحيل، لما اكتفت بذكر الاحتلال وحده، رغم أن الاحتلال يبقى الحقيقة المركزية التي تحكم مصير المدينة وتفاصيل الحياة فيها.

ربما كانت ستقول شيئاً أكثر إيلاماً:

"لقد تعبت من أن أكون عاصمة في الخطب، ومدينة منسية في السياسات العامة."

فالقدس ليست فقط ضحية المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.

القدس أصبحت أيضاً ضحية نموذج سياسي واقتصادي فلسطيني تعامل معها باعتبارها بنداً مؤجلاً في مفاوضات الوضع النهائي، أكثر من كونها معركة يومية تتطلب سياسات ومؤسسات واستثمارات وأدوات بقاء وصمود.

منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 دخلت القدس عملياً إلى غرفة الانتظار.

أُجلت السيادة عليها إلى مفاوضات الحل النهائي.

وأُجلت التنمية فيها إلى ما بعد قيام الدولة.

وأُجلت المواجهة حولها إلى الجولة القادمة من المفاوضات.

لكن إسرائيل لم تؤجل شيئاً.

بينما كنا نتحدث عن مستقبل القدس، كانت إسرائيل تعيد تشكيل حاضرها.

بينما كنا ننتظر التسوية النهائية، كانت الوقائع النهائية تُبنى على الأرض.

كنا نتحدث عن العلم فوق الأسوار...

وكانوا يتحدثون عن الخرائط الهيكلية.

كنا نتحدث عن القرارات الدولية...

وكانوا يتحدثون عن نسب النمو السكاني.

كنا نتحدث عن عاصمة الدولة القادمة...

وكانوا يبنون عاصمة الدولة القائمة.

هم كانوا يديرون مدينة.

ونحن كنا ندير قضية.

وهناك فرق هائل بين من يبني الواقع ومن ينتظر العدالة.

لكن المشكلة الأكثر خطورة لم تكن في الاحتلال وحده، بل في الفلسفة السياسية التي حكمت المشروع الوطني الفلسطيني بعد أوسلو.

فقد تحولت السلطة الفلسطينية تدريجياً من مشروع للتحرر الوطني إلى مشروع لإدارة السكان في المناطق المتاحة جغرافياً.

نشأت الوزارات.

نشأت الأجهزة.

نشأت البيروقراطية.

نشأت الموازنات.

لكن القدس بقيت خارج الجغرافيا الإدارية للنظام السياسي الفلسطيني، ثم تحولت تدريجياً إلى خارج أولوياته الاقتصادية أيضاً.

أصبح لدينا اقتصاد سلطة أكثر مما أصبح لدينا اقتصاد تحرر.

وأصبح لدينا منطق إدارة الأزمة أكثر مما أصبح لدينا منطق إدارة الصراع.

وأصبح الحفاظ على الاستقرار المالي للمؤسسات أولوية تتقدم أحياناً على بناء أدوات الصمود الوطني.

أما اتفاق باريس الاقتصادي، الذي كان يفترض أن يكون ترتيبات انتقالية مؤقتة، فقد تحول مع مرور الزمن إلى الإطار الناظم للاقتصاد الفلسطيني كله.


اقتصاد يعتمد على المقاصة.

وعلى المساعدات.

وعلى الاستهلاك.

وعلى الرواتب.

وعلى إدارة التبعية أكثر مما يعتمد على الإنتاج والاستثمار والتحرر الاقتصادي.

وفي مدينة مثل القدس تصبح التبعية الاقتصادية شكلاً من أشكال الخسارة السياسية البطيئة.

فالمدن لا تخسر بالحروب فقط.

المدن تخسر عندما تصبح تكلفة البقاء فيها أعلى من قدرة سكانها على الاحتمال.

عندما يعجز الشاب المقدسي عن شراء منزل.

وعندما يغلق التاجر متجره في البلدة القديمة.

وعندما تتحول الهجرة الاقتصادية إلى الخيار الأكثر عقلانية.

وعندما يصبح الصمود بطولة فردية لا سياسة وطنية.

السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط:

كيف نحمي القدس من الاستيطان؟

بل أيضاً:

كيف نحمي المقدسي من مغادرة القدس؟

كم صندوقاً وطنياً خُصص لإسكان الشباب المقدسي؟

كم بنكاً فلسطينياً اعتبر تمويل المشاريع المقدسية جزءاً من الأمن القومي الفلسطيني؟

كم مؤسسة اقتصادية تعاملت مع بقاء التاجر المقدسي في سوقه باعتباره شكلاً من أشكال المقاومة الوطنية؟

كم استراتيجية تنموية وضعت القدس في قلبها لا على هامشها؟

الإجابة المؤلمة ربما هي:

أقل بكثير مما كان يجب.

لقد جرى تحميل المقدسي وحده فاتورة الدفاع عن القدس.

الأسرة المقدسية تدفع.

والتاجر المقدسي يدفع.

والشاب المقدسي يدفع.

وصاحب المنزل المقدسي يدفع.

بينما اكتفينا غالباً بالاحتفال بصمودهم أكثر من الاستثمار في هذا الصمود.

تحول الصمود من مشروع وطني جماعي إلى عبء شخصي تتحمله كل عائلة بمفردها.

وهذه ليست استراتيجية وطنية.

هذه سياسة استنزاف.

وربما هنا تحديداً يظهر الفرق بين اقتصاد السلطة واقتصاد التحرر.

اقتصاد السلطة يسأل:

كيف ندير الأزمة المالية القادمة؟

أما اقتصاد التحرر فيسأل:

كيف نحمي الجغرافيا من خلال الاقتصاد؟

كيف نحول شراء منزل في القدس إلى استثمار في الأمن القومي الفلسطيني؟

كيف نجعل دعم تاجر في البلدة القديمة شكلاً من أشكال المقاومة المنظمة؟

كيف يصبح تمويل مشروع في سلوان أو العيسوية أو البلدة القديمة جزءاً من استراتيجية الصمود الوطني؟

فالجغرافيا لا يحميها الخطاب وحده.

الجغرافيا يحميها الاقتصاد أيضاً.

والسيادة تبدأ أحياناً بقرض سكني، أو مدرسة، أو مشروع صغير، أو متجر ينجح في البقاء مفتوحاً عاماً إضافياً.

لقد فهمت إسرائيل مبكراً أن السيطرة على المدن لا تتحقق فقط بالدبابات والحواجز.

بل تتحقق أيضاً بالإسكان والتعليم والضرائب والبنية التحتية والأسواق والتخطيط الحضري.

بينما بقينا نحن أسرى الاعتقاد بأن السياسة وحدها قادرة على حماية الجغرافيا

لكن الحقيقة الأكثر قسوة هي أن الجغرافيا غالباً ما يحميها الاقتصاد قبل السياسة.

وربما لهذا السبب فإن السؤال الفلسطيني الحقيقي لم يعد:

متى ستتحرر القدس؟

بل أصبح:

هل نملك أصلاً نموذجاً سياسياً واقتصادياً قادراً على إبقاء القدس فلسطينية حتى يحين موعد التحرير؟

لأن المدن لا تهاجر بأسوارها ولا بحجارتها.

المدن تهاجر عندما تغادرها طبقتها الوسطى.

عندما يرحل تجارها.

عندما يفقد شبابها القدرة على الحلم داخلها.

عندما يصبح البقاء فيها بطولة فردية بدلاً من أن يكون سياسة وطنية.

وربما لن تتقدم القدس يوماً بطلب هجرة إلى دولة أخرى.

لكن السؤال الذي يجب أن يقلق الفلسطينيين أكثر من أي وقت مضى هو:

هل بدأت القدس تتقدم بصمت بطلب لجوء إلى الذاكرة الفلسطينية بعد أن عجزت السياسة والاقتصاد عن توفير مكان لها في الواقع الفلسطيني؟

فالمدن لا تموت عندما تسقط في يد الغزاة.

المدن تموت عندما تتحول من مشروع للمستقبل إلى ذكرى من الماضي.

والخطر الحقيقي على القدس ليس أن تغادر الخرائط.

الخطر الحقيقي أن تغادر المشروع الوطني بصمت...

بينما يواصل الجميع الحديث عنها بصوت مرتفع.



بقلم: المهندس غسان جابر

القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.