آخر تحديث :الإثنين-13 يوليو 2026-12:04ص

على هامش المونديال.. ضجيج بلا معرفة

الأحد - 12 يوليو 2026 - الساعة 09:09 م
أ.د مهدي دبان


في كل حدث كبير تتكرر الحكاية ذاتها؛ الكل يركب الموجة، والكل يركب الترند، يراقب المزاج العام ليرى إلى أين تتجه البوصلة، ثم يظهر شاهرا لسانه مع الجميع، وكأن الرأي لا يحتاج إلى معرفة، ولا إلى خبرة، ولا إلى سنوات من المتابعة والفهم.... ومع بداية كأس العالم، ثم مع اشتعال المنافسة في الأدوار الإقصائية، خرجت علينا موجة جديدة من "الخبراء". بلوجر، يوتيوبر، مفسبك، توتكر، وإعلاميون ظلوا لسنوات لا يعرفون من الكرة سوى اسمها؛ كانت اهتماماتهم بالأمس السياسة، والتملق للسلطات، والمحارشة بين الناس، أو الحديث عن الفنانين والفنانات، ومن تطلق، ومن يعيش قصة حب، فإذا بهم اليوم يتحدثون بثقة مطلقة عن ضربات الجزاء، والأخطاء التحكيمية، وخطط المدربين، وكأنهم قضوا أعمارهم بين الملاعب وغرف التحليل. لا يهم إن كانوا يفهمون أو لا يفهمون، المهم أن الناس تتحدث عن المونديال، والمشاهدات بالملايين، والإعلانات تتدفق، والمال يأتي، حتى لو كانوا يهرف بما لا يعرفون.


والطامة الكبرى أن هذه العدوى لم تقتصر على صناع المحتوى، بل امتدت إلى بعض السياسيين والمسؤولين الذين يفترض أن تشغلهم هموم الناس، وخدماتهم، ومعيشتهم، فإذا بهم يتركون كل ذلك ليتصدروا الشاشات والصحف محللين للمباريات، يناقشون التشكيلات، ويختلفون حول قرارات الحكام، وكأن أوطانهم تعيش أزهى أيامها ولم يبق إلا تحليل المونديال... إنها ثقافة الانجراف خلف الترند، حيث تُهمّش المعرفة، ويُهمل التخصص، ويصبح الظهور غاية في حد ذاته. والمؤسف أن كثيرا من الناس لم يعودوا يبحثون عمن يعرف، بل عمن يتحدث أكثر ويثير الجدل أكثر، حتى وإن كان لا يفرق بين ركلة الجزاء والركلة الحرة... فليس كل من أمسك هاتفا أصبح صانع محتوى، وليس كل من جلس أمام كاميرا أصبح محللا، وليس كل من حصد ملايين المشاهدات أصبح صاحب رأي يُعتد به. وهكذا يتحول الحدث الرياضي العظيم إلى موسم للمتاجرة بالعقول، ويصبح كل شيء قابلًا للاستثمار... حتى الجهل نفسه، وفي النهاية، كما يقول أشقاؤنا المصريون: "كلها كوسة."