أنيس منصور
بعض الرجال لا يموتون دفعة واحدة؛ يتركون في البلاد ما يكفي لإرباك الغياب. يرحلون، ثم تظل المدن تذكرهم في أبراجها، وشاشاتها، وجامعاتها، وفي ذلك الطموح الذي لم يكن يبدو معقولًا حين بدأ.. وبرحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تفقد قطر واحدًا من حكامها السابقين فقط، بل تفقد الرجل الذي نظر إلى بلد صغير على الخريطة، ثم تصرف كما لو أن الخرائط مجرد اقتراح يمكن تعديله إنها لحظة تتوقف فيها الذاكرة أمام ما صنعه الراحل، وما تركه من أثر في الأرض والناس، وفي تلك المسافة الغامضة التي تفصل بين الحلم وتحققه
برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، صباح الأحد الثاني عشر من يوليو/تموز 2026، تطوي قطر صفحة من أكثر صفحات تاريخها الحديث امتلاءً بالحركة والتحول. رحل عن أربعة وسبعين عامًا، بعد أن شهد بعينيه كيف تحولت البلاد التي أحبها من إمارة صغيرة تطل على الخليج في هدوء، إلى دولة يسمع العالم صوتها، ويحسب لموقفها حسابًا، ويلجأ إلى عاصمتها عندما تضيق مسالك السياسة وتتعثر لغة الحوار.
لم يكن الشيخ حمد خطيبًا مولعًا بعرض أفكاره أمام الناس. عرفه العالم من خلال ما فعله. تولى الحكم عام 1995، وكانت قطر تملك ثروة كبيرة، لكنها لم تكن قد امتلكت بعدُ المكانة التي تليق بإمكاناتها. خلال ثمانية عشر عامًا تغير المشهد. توسعت صناعة الغاز، ونمت البنية الأساسية، وصار للدوحة حضور سياسي يتجاوز محيطها القريب. لم تعد العاصمة الخليجية الهادئة تنتظر نتائج الأزمات، بل أخذت تستضيف المفاوضات، وتتدخل للوساطة، وتبني لنفسها شبكة علاقات يصعب اختزالها في محور واحد.
كانت فكرته عن الدولة واضحة، وإن لم يكتبها في كتاب: الجغرافيا ليست حكما نهائيا.. تستطيع دولة صغيرة أن تصنع لنفسها وزنًا إذا أحسنت استخدام مواردها، وعرفت أين تضع المال، ومتى تتكلم، ومتى تفتح أبوابها للآخرين. وقد نجح في إخراج قطر من ذلك الشعور القديم الذي يلازم البلدان الصغيرة، شعور الارتهان لما يقرره الكبار من حولها.
لكن الثروة وحدها لا تفسر ما حدث. دول كثيرة امتلكت المال ولم تترك الأثر نفسه. الفارق كان في الطريقة التي نُظر بها إلى المال حيث جعله وسيلة لبناء نفوذ وحضور طويل الأمد دخلت قطر مجالات التعليم والبحث والإعلام والطيران والثقافة، والرياضة واستضافت جامعات ومؤسسات علمية، وتهيأ في الدوحة مناخ سمح بقيام مراكز للدراسة والحوار واستقبال مفكرين وباحثين من بلدان شتى. وفي عام 1995 تأسست مؤسسة قطر، لتصبح لاحقًا واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية والبحثية في المنطقة.
تولى الحكم سنة 1995، وكانت أمامه ثروة تنتظر من يمنحها معنى، وبلاد تنتظر من يفتح نوافذها على المستقبل تعامل مع الغاز باعتباره زمنًا ينبغي استثماره قبل أن ينقضي. حوّل الثروة إلى بنية، والبنية إلى نفوذ، والنفوذ إلى حضور سياسي وثقافي وإعلامي. وحين سلّم الحكم إلى ابنه الشيخ تميم بن حمد سنة 2013، كانت قطر قد أصبحت لاعبًا دوليًا يتجاوز وزنها الجغرافي والديموغرافي.
وإذا كان الحكام يُعرفون أحيانًا بما شيدوه من طرق ومبانٍ، فإن الشيخ حمد سيظل معروفًا بما فتحه من آفاق. لقد فهم أن بناء الإنسان أسبق من بناء الحجر، وأن الجامعة لا تقل شأنًا عن الميناء، وأن المختبر لا يقل أهمية عن حقل الغاز. ومن هذه الرؤية قامت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، ونمت حولها الجامعات ومراكز البحث والمعرفة، لتصبح الدوحة فضاءً يلتقي فيه العلماء والمفكرون والطلاب القادمون من جهات العالم المختلفة.
أما قناة الجزيرة، فستبقى على الأرجح أكثر مشروعات عهده حضورًا في ذاكرة العرب. لم تكن ولادة القناة عام 1996 حدثًا إعلاميًا عاديًا. فجأة وجد المشاهد العربي أمامه شاشة تتكلم بلغة مختلفة، تستضيف المعارض إلى جوار المسؤول، وتنقل الحروب من جهة الضحايا، وتفتح ملفات كانت القنوات الرسمية تتعامل معها كما لو أنها غير موجودة.
أثارت الجزيرة الغضب في عواصم كثيرة، وتعرضت قطر بسببها للضغط والخصومة. كان إغلاقها أو تهذيبها مطلبًا دائمًا لدى من ضاقوا بما تبثه. ومع ذلك استمرت. وربما تكمن قيمة قرار إنشائها في أن الشيخ حمد قبِل منذ البداية بكلفته السياسية. كان يعرف أن قناة تؤدي دورها الحقيقي لن ترضي الحكومات جميعًا، وأن الإعلام الذي لا يسبب حرجًا لأحد لا يفعل أكثر من ملء ساعات البث.
غيّرت الجزيرة مكانة قطر، لكنها غيّرت أيضًا شيئًا في الإنسان العربي نفسه. جعلته يرى ما يجري بلغته، في لحظته، ومن خارج الرواية الرسمية الوحيدة. اختلف الناس معها، واتهموها بالانحياز وتبدل المعايير، وهذه ملاحظات لا يصح تجاهلها، غير أن الخلاف حول القناة لا يلغي الحقيقة الكبرى: ما جاء بعدها في الإعلام العربي لم يعد يشبه ما كان قبلها.
وفي المجال الرياضي، أظهر الشيخ حمد فهمًا مبكرًا لما يمكن أن تفعله الرياضة في بناء صورة الدولة وتوسيع حضورها لقد جعلها جزءًا من مشروع قطر الخارجي والداخلي معًا. في عهده نشأت أكاديمية أسباير، وتطورت المنشآت الرياضية، واستضافت الدوحة دورة الألعاب الآسيوية عام 2006، ثم مضت البلاد نحو الفوز بحق تنظيم كأس العالم 2022. كان يدرك أن بطولة كبرى قد تمنح بلدًا صغيرًا ما لا تمنحه سنوات طويلة من الدعاية؛ حضورًا دائمًا في ذاكرة العالم، وثقة في القدرة على التنظيم، وبنية تحتية تتجاوز زمن الحدث نفسه.
وفي الذاكرة الفلسطينية مشهد لا يمكن فصله عن سيرة الرجل. في أكتوبر/تشرين الأول 2012 وصل الشيخ حمد إلى قطاع غزة. كانت الزيارة الأولى لرئيس دولة منذ سيطرة حركة حماس على القطاع، وجاءت في وقت كان الحصار قد حوّل غزة إلى مكان يتحدث عنه الزعماء من بعيد، ويتجنبون الوصول إليه. حملت الزيارة معها مشروعات لإعادة الإعمار بمئات الملايين من الدولارات، لكنها حملت قبل ذلك معنى سياسيًا وإنسانيًا لا تخطئه العين: أن يذهب حاكم عربي إلى الناس المحاصرين، لا أن يكتفي بإرسال بيان إليهم.
كان أهل غزة في حاجة إلى الإسمنت والطرق والمساكن، غير أنهم كانوا في حاجة أيضًا إلى من يكسر جدار العزلة. لهذا بقيت الزيارة في الذاكرة. فالناس قد ينسون الأرقام بعد سنوات، لكنهم يتذكرون من جاء إليهم حين كان الوصول مكلفًا، ومن صافحهم على أرضهم بدل أن يستدعي صورتهم إلى قاعة مؤتمر.
لم تكن تجربة الشيخ حمد خالية من الجدل. السياسة الخارجية القطرية في عهده أغضبت دولًا قريبة وبعيدة، وأثارت تحالفاته وعلاقاته أسئلة لا تزال مطروحة
غير أن خصومه أنفسهم لم يستطيعوا إنكار النتيجة: قطر التي غادر حكمها عام 2013 لم تكن قطر التي تسلمها عام 1995 كان قد أعاد تعريف قدرة الدولة على تجاوز حجمها، وجعل الدوحة حاضرة في ملفات الحرب والسلام والطاقة والإعلام. وحين رأى أن وقت الانتقال قد حان، سلّم الحكم إلى ابنه الشيخ تميم بن حمد حدث ذلك بهدوء نادر في المنطقة، ومن دون أن يحوّل ما بناه إلى سبب للبقاء الأبدي في السلطة.
تلك الخطوة تقول شيئًا مهمًا عن الرجل. لقد أحب مشروعه، لكنه لم يشترط أن يظل واقفًا في واجهته إلى النهاية. انسحب من الحكم، وظل قريبًا من وطنه، تاركًا للجيل الجديد أن يعمل بطريقته، وأن يتحمل مسؤولية مرحلة مختلفة. بعض الحكام يظنون أن الدولة لا تستمر من دونهم؛ أما هو فقد أراد لها أن تثبت أنها قادرة على الاستمرار.
يرحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وقد صار من الصعب الحديث عن قطر الحديثة من دون المرور باسمه. يظهر أثره في الجامعة مثلما يظهر في قناة الأخبار، وفي الطائرة التي تحمل اسم بلاده إلى القارات، وفي قاعات الوساطة، وفي الحضور القطري داخل القضايا العربية والدولية
لا يعني ذلك أنه صنع كل شيء وحده، فالدول لا يبنيها فرد، لكنه كان صاحب اللحظة التي أطلقت المسار، وصاحب الإرادة التي دفعت به حين كان التردد أكثر سهولة.
يرحل الشيخ حمد اليوم، ويبقى السؤال الذي طرحته تجربته أمام العرب جميعًا: كم يحتاج الوطن الصغير لكي يصبح كبيرًا؟ والجواب الذي كتبته قطر في عهده هو أنه يحتاج إلى عقل لا يخشى الحلم، وإرادة تعرف كيف تحول المال إلى معرفة، والجغرافيا إلى موقف، والإعلام إلى قوة، والثروة إلى مستقبل.
سلام على رجل غادر مقعده قبل أن يغادر الحياة، وترك لوطنه مكانًا لا يستطيع العالم تجاهله. سلام عليه يوم حمل قطر في قلبه مشروعًا، ويوم رآها تكبر أمام عينيه، ويوم رحل عنها مطمئنًا إلى أنها لم تعد تلك البقعة الصغيرة التي وجدها، بل وطنًا له صوت وذاكرة وحضور.
نعم بعض الراحلين يتركون وراءهم حزنًا، وبعضهم يتركون إلى جوار الحزن وطنًا أكثر اتساعًا مما كان.
والشيخ الراحل حمد بن خليفة ترك لقطر صوتًا، وذاكرةً، ومكانًا بين الأمم ولذلك لن يكون رحيله نهاية سيرة، بل لحظة تقف فيها البلاد أمام صورتها، وتتذكر الرجل الذي رأى فيها ما لم يكن مرئيًا بعد، ثم أمضى عمره يحاول أن يجعل ذلك الحلم حقيقة.
سيغيب الجسد نعم ، لكن الرجال الذين يتركون في أوطانهم كل هذا الضوء لا يغيبون تماما. يبقون في الجامعات التي فتحوا أبوابها، وفي المؤسسات التي أقاموها، وفي الأفكار التي أطلقوها، وفي الأجيال التي تعلمت منهم أن الوطن يمكن أن يتجاوز مساحته إذا امتلك رؤيةً وشجاعةً وإرادة
اضاءة:
أيُّ موتٍ يستطيعُ
أن يحتوي رجلًا
توزَّعَ في وطن؟
مَنْ قال إنَّ الموتَ
يُطفئُ ما أشعلتْهُ اليدان؟
كان يقولُ للرملِ:
كُنْ وطنًا،
فيصيرُ الرملُ نافذةً،
وتصيرُ نافذةُ البلادِ
على الجهاتِ
أوسعَ من حدودِ البلاد
سنقولُ:
غابَ الأميرُ،
ثم ننظرُ حولَنا
فنراهُ في كلِّ شيء.
سنقولُ:ماتَ الرجلُ،
لكنَّ البلادَ ستردُّ:
الرجالُ الذين يصيرون أوطانًا
لا يموتون؛
إنهم يبتعدون قليلًا
كي نراهم كاملين.
نمْ أيها الأمير
فالدوحةُ التي أيقظتَها
لن تنام.