في المنعطفات الحاسمة، لا تصنع الأحداث كثرةُ المتحدثين، بل يصنعها رجلٌ يعرف متى يتكلم، وكيف يتكلم، ويملك من المصداقية ما يجعل كلماته أقوى من هدير الحشود.
هذا ما جسده اللواء الركن عثمان معوضة في موقفٍ بالغ الحساسية، عندما احتشد يومي أمس وأول أمس الآلاف في عدن عقب إعلان قبائل ردفان النكف القبلي، رفضًا لما أثير حول صفقة لتبادل الأسرى تضمنت متهمين ومحكومين في قضايا إرهابية، بينهم المتورطون في جريمة اغتيال الشهيد اللواء ثابت جواس.
كانت مشاعر الغضب في ذروتها، وكانت الحشود قد جاءت وهي تحمل رسالة واضحة: لا مساومة على دماء الشهداء، ولا إفلات لقتلة الأبطال. وفي مثل هذه الظروف، قد تكفي كلمة غير محسوبة لإشعال فتيل أزمة يصعب احتوائها.
لكن اللواء عثمان معوضة اختار أن يخاطب الناس بلغة المسؤولية وليس بلغة الانفعال. أوضح لهم أنه التقى بالجنود المكلفين بحراسة السجن، وأنهم أكدوا رفضهم خروج أي متهم في قضية اغتيال الشهيد ثابت جواس، وأن موقفهم ثابت لا يتزحزح.
ثم قال عبارته التي اختصرت الموقف كله: "لقد كفيتم ووفيتم، وجئتم من أجل قضية السجناء، وأنا أعتبرها منتهية، وأنا أتحمل المسؤولية، وإن لم يكونوا موجودين في السجن فأعدموني."
لم تكن كلماته مجرد كلمات عابرة، بل كانت إعلانًا صريحًا لتحمل المسؤولية أمام الناس، ولذلك لامست القلوب قبل الآذان. وفي دقائق، تبدد الاحتقان، واقتنعت الحشود بأن رسالتها قد وصلت، فعادت إلى محافظاتها دون صدام أو فوضى.
القيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد المرافقين ولا بحجم النفوذ، وإنما بقدرة القائد على احتواء الأزمات، وبث الطمأنينة، وتحويل لحظات التوتر إلى مشاهد من الانضباط والمسؤولية. فهناك من يملك السلطة ولا يملك التأثير، وهناك من ينطق بجمل قليلة فتغدو كلماته فاصلة في إنهاء أزمة كاملة.
لقد أثبت ذلك الموقف أن القادة الكبار لا يحتاجون إلى الخطب الطويلة، لأن الكلمة الصادقة، حين تصدر من رجل يتحمل مسؤولية ما يقول، تكون أبلغ من آلاف الشعارات، وأقوى من أي استعراض للقوة.
وعندما يتحدث الكبار... تصمت الضوضاء، وتنتصر الحكمة.